للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

النارنج، وانطلقت ألسُنُ العيدان، وقامت خطباء الأوتار، ونفق سوق الأنس، وقام منادي الطرب، وامتد سماء الند … إلا ما حضرت فقد أبت راح مجلسنا أن تصفو إلا أن تتناولها يمناك، وأقسم غناؤه، لا يطيب حتى تعيه أذناك، فخدود نارنجه قد احمرت خجلًا لإبطائك، وعيون نرجسه قد حَدَّقَتْ تأميلًا للقيائك».

وكان الوزير أبو الفتح ابن ذي الكفايتين قصد ابن عبّاد وأزاله عن الوزارة، ثم نصر عليه، فذكر التنوخي في كتاب «الفرج بعد الشدَّة»، أنَّ أبا الفتح هيأ مجلسًا عظيمًا بآلات الذهب والفضة والمغاني والفواكه، وشرب بقية يومه، وعامة ليله، ثم عمل شعرًا وغنى به يقول فيه: [من المتقارب]

إذا بلغ المر آمالَهُ … فليسَ لِما بَعْدَها مُنْتَزَحْ

وكان هذا بعد تدبيره على الصاحب، حتى أبعده عن مؤيد الدولة، وسيره إلى أصبهان وانفرد بالدست، ثم طرب بالشعر، وشرب إلى أن سكر، وقال: مطوا المجلس لأصطبح عليه غدًا، وقال لندمائه باكروني، ثم نام، فدعاه مؤيد الدولة في السحر، فقبض عليه، وأخذ ما يملكه، ومات في النكبة.

ثم عاد الصاحب إلى الوزارة، وبقي فيها ثمانية عشر عامًا، وفتح خمسين قلعة، وسلمها إلى فخر الدولة، لم يجتمع منها عشرة لأبيه.

وفيه يقول أبو سعيد الرستمي: [من الكامل]

وَرِثَ الوزارة كابرًا عن كابرٍ … مَوْصُوْلَةَ الإسناد بالإسنادِ

يروي عن العبَّاسِ عَبَّادٌ وزا … رَتَهُ وإسْمَاعِيلُ عن عبَّادِ

وكان الصاحب محبًا للعلماء، وكان ينفذ في السنة إلى بغداد خمسة آلاف دينار تفرق على الفقراء والأدباء، وكان يبغض من يميل إلى الفلسفة.

وقيل إن نوح بن منصور الساماني كتب إليه يستدعيه ليفوض إليه وزارته، فاعتل بأنه يحتاج لنقل كتبه خاصة أربعمائة حمل، فما الظن بما يليه من التجمل.

وعقد مجلسًا للإملاء بعدما تاب إلى الله تعالى، واتخذ لنفسه بيتًا سماه بيت التّوبة، ولبث أسبوعًا على الخير، ثم أخذ خطوط الفقهاء بصحة توبته، وخرج متحنّكًا متطلسًا بزي العلماء، وحضر خلق، وكان المستملي الواحد يقوم بالإملاء حتى انضاف إليه ستة، كل مبلغ صاحبه فكان الأول ابن الزعفراني الحنفي.

ومرض الصاحب بالأهواز بالإسهال، كان إذا قام عن الطست، ترك إلى جانبه عشرة دنانير حتى لا يتبرم أحد من الخدم. فكانوا يودون دوام علته. ولما عوفي تصدق

<<  <  ج: ص:  >  >>