أَوْ كُنْتُ أَمْلِكُ مِنْ عَيْنَيَّ دَمْعَهُمَا … لَمَا بَكَيْتُ بِهَا مَنْ لَيْسَ يَهْوَاهَا
وقوله وقد قدمت إليه أترجة: [من الطويل]
وأَتْرُجَّةٍ فِيها طَبَائِعُ أَرْبَعٌ … وللشَّرْبِ في حَالَاتِهَا لِلْهَوَى جَمْعُ
وما اصفر منها اللُّونُ لِلْحُبِّ وَالنَّوَى … وَلَكِنْ أَرَاهَا لِلْمُحِبِّيْنَ تَجْزَعُ
وحكي أن الصاحب بن عباد عبر على باب دار ابن العميد بعد وفاته، فلم ير هناك أحدًا بعد أن كان الدهليز يغص بالزحام فأنشد: [من الخفيف]
أيُّها الرَّبِيعُ لِمْ عَلاكَ اكْتِتَابُ … أَيْنَ دارُ الحِجَابِ والحُجَّابُ
أيْنَ مَنْ كَانَ يَفْزَعُ الدَّهْرُ مِنْهُ … فَهُوَ اليَوْمَ في التُّرَابِ تُرَابُ
ولما مات رتب مخدومه ركن الدولة ولده [ذا] الكفايتين أبا الفتح عليًا مكانه في دست الوزارة.
وكان جليلًا، نبيلًا، سريًا، ذا فضائل، وهو الذي كتب إليه المتنبي الأبيات الخمسة الدالية، وهي: (١)
[بِكُتب الأَنَامِ كِتَابٌ وَرَدْ … فَدَتْ يَدَ كاتبِهِ كُلُّ يَدْ
يُعَبِّرُ عَمَّا لَهُ عِنْدَنَا، … وَيَذْكُرُ مِنْ شَوْقِهِ مَا نَجِدْ
فَأَخْرَقَ رَأْيَهُ ما رَأَى … وَأَبْرَقَ ناقدَهُ ما انتَقَدْ
إِذَا سَمِعَ النَّاسُ أَلْفَاظَهُ … خُلِقْنَ لَهُ في القُلُوبِ الحَسَد
فَقُلْتُ، وَقَدْ فَرَسَ النَّاطِقِينَ … كَذَا يَفْعَلُ الأسَدُ ابنُ الأَسَد]
وذكر الثعالبي أن أباه كان قد بالغ في تهذيبه وتأديبه، وجعل عليه عيونًا، لينظر ما يصدر عنه فأعلمه أنه استدعى شرابًا من صديق له ليلة أنس، فوجه إلى ذلك الشخص، واستدعى الرقعة التي كتب فيها، فوجد فيها: قد اغتنمت الليلة - أطال الله بقاءك - رَقْدَةً من عين الدهر، وانتهزت فرصة من فرص العمر، وانتظمتُ مع أصحابي في سلك الثريا، فان لم تحفظ علينا النظام بإهداء المدام، [وعُدنا كبنات نعش]، فاستطار أبوه فرحًا وإعجابًا بهذه الرقعة، وقال: الآن ظهر أثر براعته، ووثقت بجريه في طريقي، ووقع له بألفي دينار.
ولم يزل أبو الفتح في وزارة ركن الدولة إلى أن توفي، وقام بالأمر بعده ولده مؤيد الدولة، فاستوزره أيضًا عليه فظهر له منه الشكر … وقبض عليه سنة ست وستين وثلاثمائة.
(١). لم يورد المؤلف الأبيات، ولعله كان يأمل أن يذكرها واستطرد بحديثه، وقد أوردتها هنا بين معقوفتين لتتم الفائدة، وهي من ديوان المتنبي بشرح البرقوقي ٢/ ١٥٩ - ١٦٠.