كفَّ شَرَّهُم، ثم قوي عليهم حتى نهبت العامة أموالهم. وجرت المقادير في هذا لرفع ابن هبيرة، ووضع ابن صداقة، فلما انقضى هذا/ ١٠٤/ المهم استدعى المقتفي ابن هبيرة بكتاب على يد أميرين، فركب إلى دار الخلافة، وتسامع الناس بوزارته، فلما وصل إلى باب الحجرة، استدعي فدخل، وقد جلس له المقتفي بميمنة التاج، فقبل الأرض وسلم وتحدثا ساعة، ثم خرج، وقد جهز له الشريف على عادة الوزراء، فلبسه. ثم استدعي ثانيًا، ودعا بدعاء، أعجب الخليفة، ثم انشد يقول:[من الطويل]
وهذان البيتان لإبراهيم بن العباس الصولي، وإنما غير عجز البيت الثاني؛ لأن أصله «وكانت قذى عينيه» فلم يرد مخاطبة الخليفة.
قال: ثم خرج، فقدّم له حصان أدهم الغرة، محجل، كامل العدة بالحلي، وخرج بين يديه طائفة من الأمراء، وأرباب المناصب والخدم، والحجاب، والطبول تضرب أمامه، والمسند محمول وراءه على عادتهم في ذلك، ودخل الديوان، ونزل على طرف الإيوان، وجلس في الدست، وقرأ ابن الأنباري العهد، ثم قرأ القرآن، وأنشد الشعراء، وذلك يوم الأربعاء ثالث ربيع الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
وكان عالمًا، فاضلًا، ذا رأي صائب، وسريرة صالحة،. وظهر منه في أيام ولايته ما شهد له بكفايته، وحسن مناصحته، فشكر له ذلك، ولحظ بعين الرعاية، وتوفرت له أسباب السعادة.
وكان مكرمًا لأهل العلم، يحضر مجلسه بحضوره، ويجري من البحث والفوائد ما يكثر ذكره، وصنف كتبًا منها: الإفصاح في شرح معاني الصحاح، وشرح الجمع بين الصحيحين، وكتاب المقتصد، وغير ذلك.
ولما أتى السلطان محمد بن محمود بن محمد بن ملك شاه، وزين الدين علي أبو المظفر - صاحب إربل - لحصار بغداد سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، جد المقتفي في حفظ البلد، وقام ابن هبيرة في هذا القيام الذي يعجز عنه غيره، وأمر المقتفي، فنودي ببغداد من جُرح له خمسة دنانير، فحضر بعض العامة عند ابن هبيرة مجروحًا، فقال له: هذا جرح صغير لا تستحق عليه شيئًا، فعاد إلى القتال، فضرب في جوفه، فجرحت أمعاؤه، فعاد إلى ابن هبيرة، وقال: يا مولانا أبصر يرضيك هذا؟ فضحك منه، وأمر له بصله، وأحضر له من عالجه.
ومضت أيام المقتفي وابن هبيرة نظام جمعها، وتمام طاعتها، فلما آل الأمر إلى