للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنَّ القَاتِلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ، فَالدِّيَةُ فِي بَيْتِ المَالِ، لِأَنَّ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ هُمْ أَهْلُ نُصْرَتِهِ، وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ أَخَصُّ مِنْ بَعْضٍ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ كَانَ مِيرَاثُهُ لِبَيْتِ المَالِ، فَكَذَا مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الغَرَامَةِ يَلْزَمُ بَيْتَ المَالِ.

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، أَنَّ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ عَلَى القَاتِلِ، لِأَنَّهُ بَدَلٌ مُتْلِفٌ وَالإِتْلَافُ مِنْهُ، إِلَّا أَنَّ العَاقِلَةَ تَتَحَمَّلُهَا تَحْقِيقًا لِلتَّخْفِيفِ عَلَى مَا مَرَّ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ: عَادَ الحُكْمُ إِلَى الأَصْلِ.

على العاقلة وهو القضاء لم يوجد أصلا فيقضى بها في مال المقر إلا أن يكون له عطاء معهم فحينئذ يلزمه بقدر حصته من ذلك لأنه في مقدار حصته مقر على نفسه وعلم بذلك (١) أن القاتل أحد العواقل إذا كان له عطاء عندنا فإذا لم يكن من أهل الديوان لا يؤخذ عنه شيء من الدية.

فإن قيل: لما كان أصل الوجوب عليه وقد تحول بزعمه إلى العاقلة بالقضاء، فإذا توى على العاقلة بجحودهم عاد الدية إلى ذمة المحيل.

قلنا: هذا تقسيم فيما يكون أصله دينا لدفع التوى عن مال المسلم، وهذا أصله لم يكن دينا، وإنما كان بطريق الصلة صيانة لدم المقتول عن الهدر، فبعدما تقرر بالقضاء على العاقلة لا يتحول إليه بحال سواء استوفى من العاقلة أو لا، كذا في المبسوط.

قوله: (قال أصحابنا إنّ القاتل إذا لم يكن له عاقلة) بأن كان لقيطًا، أو نحوه فالدية في بيت المال يعني إذا كان القاتل مسلمًا، أما إذا كان ذميا فالدية في ماله إذا لم يكن له عاقلة، وبه قالت الأئمة الثلاثة.

وعن أبي حنيفة رواية شاذة، روى محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة أنه في مال الجاني، وهو رواية عن أحمد؛ لما أن الأصل [أن وجوب الدية على القاتل كما في سائر المتلفات، ونقلها الشرع إلى العاقلة تحقيقا للتخفيف، فإذا لم يكن له عاقلة عاد إلى الأصل] (٢)؛ ولأن في مال بيت المال


(١) كتب في هامش الأصل: (بهذا) إشارة إلى أنها نسخة.
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>