للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المَاءِ إِلَى كُلِّ مَكَان وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ لِنَفْسِهِ وَظَهْرِهِ؛ فَلَوْ مُنِعَ عَنْهُ أَفْضَى إِلَى حَرَجٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَسْقِيَ بِذَلِكَ أَرْضًا أَحْيَاهَا كَانَ لِأَهْلِ النَّهْرِ أَنْ يَمْنَعُوهُ عَنْهُ أَضَرَّ بِهِمْ أَوْ لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ خَاصٌ لَهُمْ وَلَا ضَرُورَةَ. وَلِأَنَّا لَوْ أَبَحْنَا ذَلِكَ لَانْقَطَعَتْ مَنْفَعَةُ الشَّرْبِ.

وَالرَّابِعُ: المَاءُ المُحَرَّزُ فِي الأَوَانِي، وَأَنَّهُ صَارَ مَمْلُوكًا لَهُ بِالْإِحْرَازِ، وَانْقَطَعَ حَقُّ غَيْرِهِ عَنْهُ، كَمَا فِي الصَّيْدِ المَأخُوذِ، إِلَّا أَنَّهُ بَقِيَتْ فِيهِ شُبْهَةُ الشَّرِكَةِ نَظَرًا إِلَى الدَّلِيلِ وَهُوَ مَا رَوَيْنَا، حَتَّى لَوْ سَرَقَهُ إِنْسَانٌ فِي مَوْضِعِ يَعِزُّ وُجُودُهُ وَهُوَ يُسَاوِي نِصَابًا: لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ.

قوله: (هو ما روينا) أراد قوله : «النَّاسُ شركاء في الثَّلاثِ» (١).

فإن قيل: فعلى هذا ينبغي ألا يقطع في شيء ما؛ لأنه تعالى قال: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فيورث شبهة بهذا الطريق.

قلنا: ليس هذا نظير ذلك؛ لأن فيما نحن فيه شركة في الأشياء المخصوصة بعد ثبوت شركة العامة، ولهذا لم تورث الشركة العامة شبهة في سقوط حد الزنا، فإنه لو زنى بأمة الغير يجب الحد، ولو زنى بأمة مشتركة بينه وبين غيره لم يجب الحد؛ إذ لو عملنا بعموم قوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ يلزم انسداد باب الحدود، وبطل العموم بالآيات الدالة عليها من قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ و ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ وهو الأصح؛ لأن العمل بخبر الواحد، وهو قوله : «ادرؤُوا الحدود ما استطعتم» (٢) إنما يصح أن لو بقي الكتاب معمولا عند العمل بخبر الواحد؛ فعلم أن المراد الشبهة الخاصة لا العامة.

وفي المبسوط (٣) وفتاوى قاضي خان: أما الشركة في الكلأ، وهو الحشيش الذي نبت من غير أن ينبته أحد، فلا يملكه صاحبه بكونه في أرضه، حتى لو


(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) أخرجه الترمذي (٣/ ٨٥ رقم ١٤٢٤) من حديث عائشة مرفوعا: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» وصححه الحاكم (٤/ ٤٢٦ رقم ٨١٦٣).
(٣) المبسوط للسَّرَخْسِي (٢٣/ ١٦٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>