فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قَالَ: (الذَّكَاةُ شَرْطُ حِلِّ الذَّبِيحَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَلِأَنَّ بِهَا يَتَمَيَّزُ الدَّمُ النَّجِسُ مِنْ اللَّحْمُ الطَّاهِرُ. وَكَمَا يَثْبُتُ بِهِ الحِلُّ يَثْبُتُ بِهِ الطَّهَارَةُ فِي المَأْكُولِ وَغَيْرُهُ، فَإِنَّهَا تُنْبِئُ عَنْهَا. وَمِنهَا قَوْلُهُ ﵊: «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يَبَسُهَا» وَهِيَ اخْتِيَارِيَّةٌ كَالجُرْحِ فِيمَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ، وَاضْطِرَارِيَّةٌ، وَهِيَ الجُرْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ البَدَنِ. وَالثَّانِي: كَالبَدَلِ عَنْ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا

قال شمس الأئمة: وهذا عندي باطل: لأنه ﷺ كان يتناول من اللحم قبل مبعثه، ولا يظن أنه كان يتناول ذبائح المشركين؛ لأنهم كانوا يذبحون باسم الأصنام، فعرفنا أنه كان يذبح ويصطاد لنفسه، وما كان يفعل رسول الله ﷺ ما كان محظورًا (١).

الذبائح: جمع ذبيحة، وهي اسم لما يذبح.

الذبح: مصدر ذبح، إذا قَطَعَ الأوداج، والذكاة: الذبح، سمي به لأنه يجوز أن يكون في اللغة مأخوذ من أحد الأمرين:

إما من الحِدَّةِ، يقال: سراج ذكي إذا كان نيرا غاية؛ لأنه حينئذ في غاية الحدة، ويقال: فلان ذكي إذا كان سريع الفهم لِحِدَّةِ خاطره، ويقال: مسك ذكي إذا كان يفوح غاية.

وإما من الطهارة، قال ﷺ «دباغ الأديم ذكاته» (٢)، ويجوز إطلاقه على الذبح لكلا المعنيين؛ لما فيه من سرعة الموت، وطهارة المذبوح عن الدم المسفوح الذي هو نجس، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.

قوله: (فإنها تنبئ عنه) أي: الذكاة تنبئ عن الطهارة على تأويل التطهير، وفي بعض النسخ (تنبئ عنها) أي: عن الطهارة.


(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ٢٢١).
(٢) أخرجه أبو داود (٤/ ٦٦ رقم ٤١٢٥)، والنسائي (٧/ ١٧٣) رقم (٤٢٤٣)، وابن حبان (١٠/ ٣٨١ رقم ٤٥٢٢)، وأحمد (٣/ ٤٧٦) رقم (١٥٩٤٩) واللفظ له من حديث سلمة بن المحبق ﵁: أن رسول الله ﷺ مر ببيت بفنائه قربة معلقة فاستسقى، فقيل: إنها ميتة، قال: «ذَكَاةُ الْأَدِيـ ذَكَاةُ الْأَدِيمِ دِبَاغُهُ». وفي لفظ: «دِبَاغُهَا طُهُورُهَا».
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. المستدرك (٤/ ١٤١)، وقال ابن حجر: إسناده صحيح. التلخيص الحبير (٤٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>