أنا والله أعلم بالحديث منه، وإنما جاء رجلان من الأنصار إلى النبي ﷺ قد اقتتلا فقال ﷺ«إنْ كانَ هَذا شَأْنُكُمْ فَلا تَكْرُوا الأَرْضَ»(١) فعلم أن الكراهة لنفي الشر بينهم، وكأن الطحاوي رجح قولهما، وهكذا أكثر أصحاب الحديث.
قوله:(والثالث: بيان المدة) ذكر بيان المدة مطلقا، ولم يبين مقداره، ولا شك أن المدة القليلة التي لا تصلح للزراعة لا تصح لعدم الفائدة، ولا مدة طويلة لا يعيشان إليها كانت بمنزلة التأبيد فلا يصح أيضًا، فلا بد من ذكر مقدار المدة.
وفي الذخيرة: ومن الشرائط بيان المدة يقول إلى سنة أو سنتين وما أشبهه، ولو بَيَّنَ وقتًا لا يُدرِكُ الزرع فيها تفسد المزارعة، وكذا لو بين مدة لا يعيش أحدهما إليها غالبًا تفسد أيضًا؛ لأنه يصير في معنى اشتراط العقد إلى ما بعد الموت.
وذكر أبو علي النسفي: مشايخنا قالوا: في الإجارة الرسمية التي تعقد إلى ثلاثين سنة إن كان لا يتوهم حياة العاقدين إليها غالبًا بأن كانا كبيرين أو أحدهما لم يجز؛ لأن الغالب كالمتيقن كما في المفقود (٢) يحكم بموته بموت أقرانه بحسب الغالب، وإن كان في قدرة الله تعالى أن يعيش إلى آخر الدهر.
وقال الخصاف: وبعض المشايخ أجاز ذلك كما في النكاح إذا بَيَّنَ مدة سنة فلا يصح ذلك في ظاهر الرواية، ويجعل ذلك بمنزلة نكاح مؤقت.
وعن محمد بن سلمة أن المزارعة بلا بيان المدة تصح، وتقع على زرع واحد، واختاره أبو الليث، وبه قال أبو ثور.
وعن أحمد يجوز بلا بيان المدة؛ لأنها عقد جائز غير لازم، وعند أكثر
(١) شرح معاني الآثار (٤/ ١١٠ رقم ٥٩٣٧)، وشرح مشكل الآثار (٧/ ١١٥ رقم ٢٦٩٠). (٢) في الأصل: (المقصود)، والمثبت من النسخة الثانية.