للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَلِأَبِي يُوسُفَ، أَنَّ القَتْلَ بَقِيَ مَقْصُورًا عَلَى المُكْرَهِ مِنْ وَجْهِ، نَظَرًا إِلَى التَّأْثِيمِ، وَأُضِيفَ إِلَى المُكْرِهِ مِنْ وَجْهِ، نَظَرًا إِلَى الحَمْلِ، فَدَخَلَتْ الشَّبْهَةُ فِي كُلِّ جَانِبِ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى القَتْلِ بِطَبْعِهِ إِيثَارًا لِحَيَاتِهِ، فَيَصِيرُ آلَةٌ لِلْمُكْرَهِ فِيمَا يَصْلُحُ آلَةٌ لَهُ، وَهُوَ الْقَتْلُ، بِأَنْ يُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَلَا يَصْلُحُ آلَةٌ لَهُ فِي الجِنَايَةِ عَلَى دِينِهِ فَيَبْقَى الفِعْلُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ فِي حَقِّ الإِثْمِ كَمَا نَقُولُ فِي الإِكْرَاهِ عَلَى الإِعْتَاقِ، … ... … ... … ... ..

من المتغلبة والأكابر، فلم يوجب القصاص لانسد بابه في موضع تكون الحاجة إلى إيجابه ألزم.

قوله: (نظرا إلى التأثيم) فإن المكره القاتل يأثم بالإجماع.

قوله: (نظرا إلى الحمل) أي: حمل المكره عليه، وصار مدفوعا إلى القتل، ولأن المكره قاتل حقيقة لا حكما والمكره بالعكس، فتمكنت الشبهة في الجانبين فلا يجب القصاص.

قوله: (محمول على القتل بطبعه)؛ لأنه جبل على حب حياة نفسه وإيثارها على حياة غيره، فيفسد اختياره، فيلحق بالآلة التي لا اختيار لها، وينسب الفعل إلى من أفسد اختياره وحمله على هذا الفعل كالسيف يقطع بطبعه، والفعل منسوب إلى الضارب، فيكون المكرَهُ آلة كالسيف فيما يصلح آلة له وهو القتل، فلا يكون على المكره قصاص ولا دية ولا كفارة.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] فقد نسب الذبح إلى اللعين، وما كان يباشره صورة ولكنه يأمر به، وأمره الإكراه، ولا يصلح آلة في الجناية على دينه؛ لأن القتل من حيث إنه موجب المأثم جناية على دين القاتل؛ لأنه إنما أكرهه ليجني عليه دينه، فلو أضيف إليه لصار جناية على دين المكره، وفيه بطلان الإكراه، فبقي العقل من حيث كونه جناية على دينه مقصورًا على المكره، ومن حيث الإتلاف منقولًا إلى المكره؛ لأنه يصلح آلة له كما في الإكراه على الإعتاق ينتقل الفعل إلى المُكره من حيث الإتلاف، حتى يجب الضمان على المُكرِه، ومن حيث الإعتاق بقي مقصورًا على المُكرَه حتى يكون الولاء له، وصار كإكراه المجوسي على ذبح شاة الغير، فإنه يصير آلة من حيث الإتلاف، ولم يصر آلة من حيث الزكاة حتى لا يحل تناوله.

<<  <  ج: ص:  >  >>