للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

مُغْتَرٌّ غَيْرُ مَغْرُورٍ حَيْثُ اعْتَمَدَ إِطْلَاقَ العَقْدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِقَ مِنْهُ الوَعْدُ، وَإِنْ كَانَ وَقَتَ العَارِيَّةَ وَرَجَعَ قَبْلَ الوَقْتِ صَحَّ رُجُوعُهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ خُلْفِ الوَعْدِ وَضَمِنَ المُعِيرُ مَا نَقَصَ البِنَاءَ وَالغَرْسَ بِالقَلْعِ؛ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ حَيْثُ وَقَتَ لَهُ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الوَفَاءُ بِالعَهْدِ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ. كَذَا ذَكَرَهُ القُدُورِيُّ فِي المُخْتَصَرِ. وَذَكَرَ الحَاكِمُ الشَّهِيدُ: أَنَّهُ يَضْمَنُ رَبُّ الْأَرْضِ لِلْمُسْتَعِيرِ قِيمَةَ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ وَيَكُونَانِ لَهُ،

فإن قيل: الغرور بمباشرة عقد الضمان سبب للرجوع، ألا ترى أنه لو استحق الموهوب بعد هلاكِهِ فَضَمِنَ الموهوب له الضمان، لا يرجع بما ضمن على الواهب؛ لأن الغرور في ضمن عقد المعاوضة سبب الرجوع لا في غيره، والمعير لم يباشر عقد الضمان وإن وقت.

قلنا: كلام العاقل محمول على الفائدة ما أمكن، ولا حاجة إلى التوقيت في تصحيحها لصحتها بدونها، فعلم أن فائدته التزام قيمة البناء والغرس إن أراد إخراجه قبله، وصار تقدير كلامه كأن قال: اِبْنِ في هذه الأرض لنفسك على أن أتركها في يدك إلى مدة كذا، فإن لم أتركها فأنا ضامن لك ما تنفق في بنائك، فيكون الرجوع للإلزام المعنوي لا للغرور، كذا في المبسوط (١).

قلت: فعلى هذا معنى قول الشيخ: (لأنه مغرور من جهته) مُؤَوّلٌ، [أي] (٢) مغرور من الإلزام المعنوي، وبعد مضي المدة له الرجوع بلا ضمان عندنا، ومالك، وبه قال المزني، وعند الشافعي وأحمد يضمن النقصان، كما في غير المؤقت، ورجع قبل الوقت صح رجوعه خلافًا لمالك، وما نقل في النهاية من قول مالك أنه يضمن القيمة ما وجدته في كتبهم، بل عندهم إذا كان مؤقتًا لا يجوز له الرجوع.

قوله: (يضمن رب الأرض للمستعير قيمة غرسه وبنائه)، يعني بكم يشتري بشرط قيامه إلى المدة المضروبة، كذا في شرح الكافي.


(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٤٢).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>