للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

لَهُمَا: أَنَّهُ قَبَضَ المَالَ مِنْ يَدِ ضَمِينِ، فَيُضَمِّتُهُ كَمُودَعِ الغَاصِبِ، وَهَذَا لِأَنَّ المَالِكَ لَمْ يَرْضَ بِأَمَانَةِ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ الأَوَّلُ مُتَعَدِّيَا بِالتَّسْلِيمِ، وَالثَّانِي بِالقَبْضِ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ ضَمَّنَ الأَوَّلَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الثَّانِي، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ فَظَهَرَ أَنَّهُ أَوْدَعَ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الثَّانِيَ، رَجَعَ عَلَى الأَوَّلِ، لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ العُهْدَةِ، وَلَهُ: أَنَّهُ قَبَضَ المَالَ مِنْ يَدِ أَمِينِ، لِأَنَّهُ بِالدَّفْعِ لَا يَضْمَنُ مَا لَمْ يُفَارِقْهُ لِحُضُورِ رَأيِهِ فَلَا تَعَدِّيَ مِنْهُمَا، فَإِذَا فَارَقَهُ فَقَدْ تَرَكَ الحِفْظَ الْمُلْتَزَمَ فَيَضْمَنُهُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَمُسْتَمِرٌّ عَلَى الحَالَةِ الأُولَى، وَلَمْ يُوجَدْ مِنهُ صُنْعٌ فَلَا يَضْمَنُهُ، كَالرِّيحِ إِذَا أَلْقَتْ فِي حِجْرِهِ ثَوْبَ غَيْرِهِ.

قَالَ: (وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ أَلْفٌ، فَادَّعَاهُ رَجُلَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا أَنَّهَا لَهُ، أَوْدَعَهَا إِيَّاهُ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَهُمَا: فَالأَلْفُ بَيْنَهُمَا وَعَلَيْهِ أَلْفٌ أُخْرَى بَيْنَهُمَا) وَشَرْحُ

قوله: (فَمُسْتَمِرٌّ على الحالة الأولى)، لأنه لم يفوت الحفظ الملتزم، ولم يوجد منه صنع يجب به الضمان بعده فلا يضمن فصار هذا في حقه كثوب هبت به الريح وألقته [في] (١) حجره، فإذا هلكت من غَيْرِ صُنْعِهِ لم يضمن، بخلاف مودع الغاصب؛ لأن الأول بِمُجَرَّدِ الدفع مُتعدِّ، والثاني بالأخذ، وهاهنا إن لم يضمن الأول يتركه عند الثاني، ذكره قاضي خان (٢).

فإن قيل: الأول إنما يصير مُضَيّعًا بالمفارقة؛ لأن الثاني لا يصلح أمينا وحافظا وإلا لا يضمن، كما لو أودعه عند عياله وفارقه، فإذا ضمن الأول بالترك عند الثاني كان من ضرورته أن يضمن الثاني.

قلنا: رب المال لو قال: أذنت لك أن تدفعه إلى فلان لكن بشرط أن لا تفارقه، ففارَقَهُ ضَمِنَ الأول دون الثاني، وهذا تقدير مسألتنا فصار الثاني مودعا منفردًا في حق نفسه؛ لأنه لما لم يصر نفس الإيداع خيانة بل صار داخلا في ولايته حال حضرته، وجعلت الوديعة في يد الثاني أمانة فلا يضمن بالإمساك، كذا في الكافي.


(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) انظر: فتاوي قاضي خان (٣/ ٢٢٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>