للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

لِأَنَّ الدَّارَيْنِ يَتَفَاوَتَانِ فِي الحِرْزِ، فَكَانَ مُفِيدًا، فَيَصِحُ التَّقْبِيدُ، وَلَوْ كَانَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ البَيْتَيْنِ ظَاهِرًا بِأَنْ كَانَتْ الدَّارُ الَّتِي فِيهَا البَيْتَانِ عَظِيمَةٌ، وَالبَيْتُ الَّذِي نَهَاهُ عَنْ الحِفْظِ فِيهِ عَوْرَةً ظَاهِرَةً: صَحَ الشَّرْطُ.

قَالَ: (وَمَنْ أَوْدَعَ رَجُلًا وَدِيعَةٌ، فَأَوْدَعَهَا آخَرَ فَهَلَكَتْ، فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الأَوَّلَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الثَّانِيَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ أَيَّهِمَا شَاءَ (*)، فإن ضمَّنَ الأول لا يَرجعُ على الآخرِ، فَإِنْ ضَمَّنَ الآخَرَ رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ)

قوله: (فله أن يُضَمِّنَ الأول)، فإن المودع بالوديعة إلى غيره يضمن بغير خلاف عند أكثر الفقهاء، وعند ابن أبي ليلى لا يضمن؛ لأن عليه حفظها كحفظ مال نفسه ومال نفسه يحفظه بالإيداع إلى غيره فكذلك وللأكثر أنه خالف بالإيداع إلى غيره؛ لأن المالك رضي بحفظه لا بحفظ غيره؛ إذ الأيدي مختلفة. ثم عند أبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه يضمن المودع الأول لا الآخر، وعندهما يضمن أيهما شاء، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد في وجه.

وفي الذخيرة: إنما يضمن المودع الأول بالإيداع إذا هلكت الوديعة بعد أن يفارق الأول الثاني، أما لو هلكت قبل المفارقة لا ضمان على أحد بلا خلاف؛ لأن الضمان لا يجب بمجرد الدفع إليه، وإنما يضمن بالتضييع بترك الحفظ الملتزم وذلك بالمفارقة.

قوله: (رجع على الأول)، لأنه مغرور من جهته فإنه أودعه على أنه ملكه، وأنه لا يلحقه ضمان بالهلاك في يده، فإذا لحقه الضمان رجع عليه، كذا في المبسوط (١).

وهذا التعليل يؤيد ما ذكر التمرتاشي ناقلا عن أبي اليسر في مودع الغاصب: إن علم أن المودع غاصب لم يرجع عليه، وإن لم يعلم [أنه] (٢) غاصب رجع عليه لأنه مغرور، أما إذا علم أنه غصب في يده فيه شبهة اختلاف الرواية.


(*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ١٣٢).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>