فإن عاد الزوج بعد العدة، ولم تتزوج زوجا آخر فهو أحق بها، فإن تزوجت فلا سبيل له عليها.
(كذا قضى عمر فيمن استهواه الجن)؛ أي جرته الجن وبهتته. ذكر في المبسوط عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أنا لقيت المفقود فحدثني حديثه قال: أكلت خزيراً - بالزاي والياء المنقوطتين: مرقة تطبخ بما يصفى من بلالة النخالة - في أهلي، ثم خرجت فأخذني نفر من الجن، فمكثت فيهم ثم بدا لهم في عتقي فأعتقوني، ثم أتوا بي قريبا من المدينة، فقالوا: تعرف النخيل،
فقلت: نعم، فخلوا عني فجئت فإذا عمر ﵁ أبان امرأتي بعد أربع سنين، اعتدت وتزوجت، فخيرني عمر بين أن يردها علي وبين المهر.
وأهل الحديث يروون أن عمر ﵁ هم بتأديبه حين رآه، وجعل يقول: يغيب أحدكم عن امرأته هذه المدة الطويلة ولا يبعث بخبره، فقال: لا تعجل يا أمير المؤمنين، وذكر له قصته.
في هذا الحديث دليل لمذهب أهل السنة أن الجن يتسلطون على بني آدم، وأهل الزيغ ينكرون ذلك على اختلاف بينهم، فمنهم من يقول: المستنكر دخولهم في الآدمي؛ لأن اجتماع زوجين في شخص واحد لا يتحقق، وقد يتصور تسلطهم على الآدمي من غير أن يدخلوا فيه، ومنهم من قال: هي أجسام لطيفة فلا يتصور أن يحملوا جسمًا كثيفًا من موضع إلى موضع، ولكنا نأخذ بما
ورد به الآثار، قال ﵇:«إنَّ الشَّيطانَ يَجرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدم»(١) وقال ﵇: «إنه يدخل في رأس الإنسان فيكون على قافِيَةِ رأسِهِ» فنتبع الآثار ولا نشتغل بكيفية ذلك.
قوله:(اعتبارًا بالإيلاء والعنة)؛ يعني: يفرق بينه وبين امرأته دفعا للضرر عنها؛ كيلا تبقى معلقة لا ذات بعل ولا مطلقة، كما يفرق بين العنين والمولي بعد مضي السنة وأربعة أشهر، إلا أنا أخذنا الأربع من الإيلاء لشبهه به، إذ حقها في الجماع يفوت بصنيعه وهو السفر، كما يفوت ثم بصنيعه وهو الإيلاء،
(١) أخرجه مسلم (٤/ ١٧١٢ برقم ٢١٧٤) من حديث أنس بن مالك ﵁.