للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَلَنَا: أَنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِم - اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ أَصلِ الجُعلِ، إِلَّا أَنَّ مِنهُم مَنْ أَوجَبَ أَربَعِينَ، وَمِنهُم مَنْ أَوجَبَ مَا دُونَهَا، فَأَوجَبنَا الأَربَعِينَ فِي مَسِيرَةِ السَّفَرِ وَمَا دُونَهَا فِيمَا دُونَهُ تَوفِيقًا وَتَلفِيقًا بَينَهُمَا، وَلِأَنَّ إِيجَابَ الجُعَلِ أَصْلُهُ حَامِلٌ عَلَى الرَّدِّ، إذ الحِسبَةُ نَادِرَةٌ فَتَحْصُلُ صِيَانَةُ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَالتَّقْدِيرُ … ...

بإجماعهم حجة، ورجحنا قول ابن مسعود في مقداره؛ لأنه قال في مجلسه ذلك، واشتهر منه ولم ينكر عليه أحد.

وعن أحمد: إن رده من المصر له عشرة دراهم أو دينار، وإن رده من خارجه، سواء كان مدة سفر أو لا؛ فله أربعون. وقال مالك: له أجر مثله في قدر تعبه وسفره وتكلف طلبه إن كان ممن شأنه وعادته طلب الإباق، وإن لم يكن فمن نصب نفسه لذلك فله نفقته عليه؛ لأنه لما اختلف فيه الصحابة علم أنه [غير] (١) مقدر بشيء معين، فيجب أجر المثل.

فإن قيل: ينبغي أن يؤخذ بالأقل المتيقن لا بالأكثر المشكوك.

قلنا: إنما لم يؤخذ بالأقل؛ لأن التوفيق بين أقاويلهم ممكن، بأن يحمل قول من أفتى بالأقل على ما إذا رده فيما دون مدة السفر، وقول من أفتى بالأكثر على ما إذا رده من مسيرة السفر، كما فسره عمار، فإن قوله: (إن أخذه في المصر) كناية عما دون مدة السفر، وقوله: (إن أخذ خارج المصر) كناية عن مسيرة السفر؛ إذ الأخذ بالأقل إنما يكون إذا لم يمكن التوفيق، وهذا معنى قول صاحب الكتاب: (توفيقا وتلفيقا).

والتلفيق: الضم، يقال: لفقت الثوب الفقه، وهي أن تضم شقة إلى أخرى.

كذا في الصحاح (٢).

ولأن نصب المقادير بالرأي لا يكون، فلا طريق لما ثبت عنهم من الفتوى إلا السماع، فكأن كلا منهم روى ما قاله عن النبي ، والمثبت للزيادة في الأخبار عند التعارض أولى، فلذا أخذنا بالأكثر.

قوله: (إذ الحسبة نادرة): يعني: الزاد يحتاج إلى غناء وعناء في رده،


(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري (٤/ ١٥٥٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>