ووجه الدلالة: أن المكروه الذي يُصيب المؤمن في الحقيقة أنه شر، وهذا الشر قدره الله تعالى، فيقول المؤمن: قدر الله وما شاء فعل.
ومن الإجماع: ما نص عليه الحافظ ابن حجر بقوله: " ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى"(١).
فمفهوم الكلام: أن كل الأمور خيرها وشرها إنما تقع بتقدير الله وإرادته.
مناقشة المعتزلة على استدلالهم بنفي إرادة الله تعالى وقوع الشر:
سلك المعتزلة مسلك أهل الكلام الذين يضربون بنصوص الكتاب والسنة عرض الحائط، ويُحكمون عقولهم في الاستدلال، ويتبعون المتشابه وما ذاك إلا لزيغ قلوبهم.
فالمعتزلة استدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. وظنوا أن الإرادة تقتضي المحبة، فإذا كان الله لا يُحب شيئًا فإنه لا يُريده.
والجواب عن هذا الاستدلال من أوجه:
الأول: أنه مخالف لنصوص الكتاب والسنة المحكمة الصريحة، التي تدل على أن الله تعالى يُقدر الخير ويُقدر الشر، وتقدم ذكر شيء منها.
الثاني: أن هناك فرقًا بين الإرادة والمحبة ولا يلزم من الإرادة المحبة، بخلاف ما ذهبت إليه المعتزلة، فالإنسان قد يفعل الفعل وهو لا يُحبه ويكون مُريدًا له، كأن يتناول المر، ويريد ربط الجرح، أو يريد طيء الجرح (٢).
الثالث: يلزم على قولهم أن للكافر مشيئة، بأن شاء لنفسه الكفر، والله يُحب من الكافر أن يكون مسلم، فتكون مشيئة الكافر غالبة على مشيئة الله تعالى، فإن الله قد شاء الإيمان منه - على قولهم - والكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى!!
(١) فتح الباري: ابن حجر (١١/ ٤٧٨). (٢) انظر: البحر المحيط: أبو حيان (٤/ ٣٠)، وانظر: زاد المسير: ابن الجوزي (١/ ١٧٢)، وانظر: فتح البيان: القنوجي (١/ ٤١٧).