للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و (الجسم) و (العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحاً يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره.

وليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل قطعاً. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك.

وأيضاً: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئاً، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله.

فإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة (١).

وقال ابن عثيمين: "المجادلة والمناظرة نوعان:

النوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السفهاء، ويجاري العلماء، ويريد أن ينتصر قوله؛ فهذه مذمومة.

النوع الثاني: مجادلة لإثبات الحق وإن كان عليه؛ فهذه محمودة مأمور بها (٢).

وقال الكرماني: "الجدال: هو الخصام، ومنه قبيح وحسن وأحسن؛ فما كان للفرائض فهو أحسن، وما كان للمستحبات فهو حسن، وما كان لغير ذلك فهو قبيح" (٣).

فهذه الخصومات وهذا الجدل وهذا المِراء أمرٌ محدَث لا يُوجِد إلا الشك في القلوب ويبعِد عن الحق، ومهما حصل من نفع منه في بعض الأحيان، فهو يسير لكن شره وفير، وقد يقول هؤلاء: نحن نخاصم به أهل الباطل، الذي لا يؤمن بالقرآن والسنَّة، وهذه حجة باطلة فهؤلاء لا الإسلام نصروا ولا الباطل كسروا، فالقرآن، خاطب الكفار وخاطب المشركين وخاطب أهل الكتاب، خاطبهم بقال الله وقال الرسول، وفيه من الحجج والبراهين ما يكفي لبيان الحق ودفع الباطل، ففي القرآن والسنَّة من الأدلة العقلية واليقينية ما يغني ويشفي ولسنا بحاجة إلى فلسفةٍ ولا إلى علم كلام.


(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨ - ٢٣٣).
(٢) العلم ص ١٦٤.
(٣) فتح الباري لابن حجر ١١/ ٣١٤.

<<  <   >  >>