وقت محدود نجتمع معه فيه، ونستعين بالله جميعًا على استئصال هذا العدو اللعين، وإنقاذ الشام من أيدي الكفرة الملحدين، وحلفنا له يمينًا مؤكدة على أنا لا نخلف الميعاد، وأنا واعدنا ولا نتكل، أو نقصر في جهاد من حاربنا … .. ولا يثني عزمنا عما شرطناه، ولا ينتهي وجهتنا التي نتوجه لها دون ما صمدنا له وقصدناه. والأمير يعلم ما يلزمنا في الكلف في هذه الحال الذي مد طرق الإفرنج هذه البلاد، ولم يتكلفها أحد من ملوك الديار المصرية سوى الأفضل لما حاز من الذخائر، وملك من الأموال الجمة والعساكر، وقد تعاطينا نقله مع تأخر الزمان واحين أنا - إن شاء الله - نرضى عليه، ونجري من الغاية القصوى إلى ما لم يجر إليه، فليصور عند الملك العادل هذه الحال بصورتها، ويقرره بهيأتها ولس … في المطالعة لنا بما تجدد قِبَلَه، وحدث في البلاد من الأمور التي يتطلع إلى معرفتها، فإنه قد أخل به وأهله، فهو يعلم لم سلوتنا إليه وتعويلنا في المهمات عليه، لفرط رغبتنا في التحريض والاستنفار، فضمنا ما تضمنه كتابنا إلى الملك العادل في قصيدة، ليكون أسير لذكره، وأشهر لأمره، وقد جعلناها ثني هذه المكاتبة، ليقف عليها، ويصلح خللًا إن كان فيها، ومعيرها بتوليته، لإذاعتها جمالًا، ويزيدها بتكلفه، لإشاعتها رواء وحلالًا، فاستماع الأدباء إليه أسرع، ومنه أسمع، وإيراده لها فيما يحاوله ألمع وأنجع، والأمير لا يُعِبُّ مطالعتنا، ولا يهمل مكاتبتنا ومراسلتنا، فهو عندنا القوي الأمين، وله من أنفسنا المكان المكين، ليعلم ذلك، وليعمل به».
فكتب إليه أسامة جوابًا:
«وينهي وقوفه على … العالي المشتمل على إنعامه الضافي عليه السابغ، وفضله الذي حيث حمل، فهو واصل إليه، بالغ ما يته، وهو جوار الصعب من كتب، ويلح إذا تباعد عنه، وأغرب في الطلب ينقب عنه في البلاد، ويبادي إليه سيل العهاد، فهو عيشه الهامي، وغوثه المانع الحامي، يعقل ثناه بشوارد الفضل، ويمرع جنابة في أزمة المحل، فشكره وتمليك رقه لا يقومان بأيسر حقه، فلله در أوراق تضمنت منا شقلا للأعناق، لكنها خرقت العادة في الحلول، وعدلت من الستر المسلول، يؤمر فيه بالمثول بمجلس المولى الملك العادل ومفاوضته في ميعاد يضربه للقاء على مناجزة الأعداء.
وكان المملوك - بل أهل الشام - في ذلك الوقت لمرض المولى المالك في عداد الأموات، لا يفرقون بين ما مضى وبين ما هو آت. ألبابهم حائرة، وقلوبهم طائرة، والعدو عليهم كَلِب وحلهم مضطرب، فكان تقصير الملوك لهذا السبب الذي أحمد الله فيه العاقبة والمنقلب. وقد خامر المجلس العالي من ذلك على البعد ما أشتهر وظهر تأسفه وتوجهه ما ما ظهر، فكيف يلام المملوك على تدلهه، وتشعب فكره، وولهه على من ملك بفضله رقه، وطوق بأنعامه عنقه، ومحا إلى ظله والخطوب تكربه، والحوادث تطلبه، فأجله رأس عمدان، وجعله ينظر من عل إلى الزمان ورأس جهاجه الكسير،