قال ابن خلكان: سمعت جماعة من المصريين يقولون: كان للوزير يعقوب طيور فائقة، أصيلة، مختارة للسبق تسبق كل طائر يسابقها، وكان لمخدومه العزيز أيضًا طيور سابقة، فسابقه العزيز يومًا ببعض طيور الوزير، فسبق طائر الوزير يعقوب، فعز ذلك عليه، ووجد أعداؤه سبيلًا إلى الطعن، فقالوا للعزيز: إنه قد اختار من كل صنف أجوده وأعلاه ولم يبق منه إلا أدناه حتى الحمام، وقصدوا بذلك الإغراء به حسدًا منه العلة، فاتصل ذلك بالوزير، فكتب إلى العزيز:
فأعجبه ذلك وسري عنه ما كان وجده عليه. قيل: إن هذين البيتين لولي الدولة أبي محمد خيران الكاتب.
وذكر أبو القاسم علي بن منجب الكاتب: أنَّ سبب حظوة الوزير يعقوب عند كافور، أن يهوديًا قال له: إنَّ في دار ابن البلدي بالرملة ثلاثين ألف دينار مدفونة في موضع أعرفه وأنا أخرج أحملها، فأجابه إلى ذلك، وأنفذ معه البغال يحملها، وورد الخبر بموت بكير التاجر، فجعل إليه النظر في تركته، واتفق موت يهودي، ومعه أحمال كتان، فأخذها وفتحها، فوجد فيها عشرين ألف دينار، فكتب إلى كافور بذلك، فتبرك به، وكتب إليه بحملها، فباع الكتان، وحمل الجميع، وسار إلى الرملة، وحفر الدار الذي لابن البلدي، وأخرج المال، وهو ثلاثون ألف دينار، فكتب إلى كافور:«عرفت الأستاذ عشرون ألف دينار، ووجدت ثلاثين ألف دينار»، وازداد محله عنده، وتصوره بالثقة.
ووقعت رقعة في دار الوزير سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وهي السنة التي توفي فيها نسختها:[من الخفيف]
فلما قرأها قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، واجتهد أن يعرف كاتبها، فلم يقدر على ذلك، فلما اعتل علة الموت آخر السنة، ركب إليه العزيز عائدًا، وقال له: وددت أنك تُباع، فابتاعك بملكي، أو نقدي، فأفديك بولدي، فهل من حاجة توصي بها؟ فبكى وقبل يده، وقال: فيما يخصني، فأنت أرعى بحقوقي من أن أسترعيك إياها، وأرأف من أن أخلفه من أن أوصيك به، ولكني أنصح لك مما يتعلق بدولتك: سالم الروم ما سالموك، واقنع من الحمدانية بالسكة والدعوة، ولا تبق على مفرج بن دغفل إن عرضت لك فيه فرصة. ومات فأمر العزيز بدفنه في داره بالقاهرة وداخل باب النصر، وأمر بغلق الدواوين أيامًا بعده.