للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

على مصر، فإنه سار حتى أتى برقة، وقدمت مقدمتها، وجلت الأنوار بعثير العجاج ظلمتها، نضاره بحوصرها، وتبدل كافوره المفتت بعنبرها، فمن قائل إنه استمر حتى اتصل بالمعزّ تميم، وعاد بالعزّ معه في كنف غير ذميم.

ومن قائل وهو الأغلب: إنَّه حيث وجد مقدمة جيشه المطل مع القائد جوهر، عاد تحت ألويته يروع سيفه المجوهر، وتروق إكليله الذي ذهب وهو ذهب، وعاد وقد تجوهر، وقدم المعزّ فأعز مكانه، … لشد قواعد الممالك أركانه، ولم يصرح له بالوزارة، إلا أنه كان هو المتحدث، وأمره مصرف، وقدره مشرف، هذا وجوهره في الذخيرة، ومعزه يرى له في إعزازه الخيرة، فرتب دولة الخلافة ترتيبًا جَرَتْ عليه، وجرَّتْ التصريف إليه، فلم يبق ليعقوب حاجة في نفسه إلا قضاها، ولا عزمة تناط وسيفه المجوهر إلا أمضاها.

وزاد في أيام العزيز جلالًا، ورفَّ ماء ابن الفرات، فلم يدع في فمه بلالًا، وفوضت إليه الوزارة، فردت إليه الأمور كلها، وطاب به جناها وظلها.

وكان خفيف الأحمال في مؤنة كلفه، عفيف الأنام عن الأموال لإفراط صلفه، مظاهرًا بالتدين بدين الإسلام، والتزين بشعار الأعلام، يؤثر خصاصة وسحر من النثران، يزعم أنه من ولد هارون أخي موسى بن عمران وقيل: كان يزعم أنه من ولد السموءل بن عاديا اليهودي.

ولد ببغداد ونشأ بها عند باب القر، وتعلم الكتابة والحساب، وسافر به أبوه إلى الشام، وأنفذه إلى مصر سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، فانقطع إلى بعض خواص الأستاذ كافور على عمارة داره، ثم صار ملازمًا لباب داره فرأى كافور من نجابته، وشهامته، وصيانته، ونزاهته، وحسن إدراكه ما يقف عليه، فاستحضره، وأجْلَسَه في ديوانه الخاص، فكان يقف بين يديه، ويخدم ويستوفي الأعمال والحسابات، ويدخل يده في كل شيء. ثم لم تزل أحواله تتزايد مع كافور، حتى صار الحجاب والأشراف يقومون له ويكرمونه، ولم تتطلع نفسه لاكتساب مال، وأرسل له كافور شيئًا فرده عليه، وأخذ منه القوت خاصة، وتقدم كافور إلى سائر الدواوين أن لا يمضى دينار ولا درهم إلا بتوقيعه، فوقع في كل شيء.

وكان يبر ويصل من اليسير الذي يأخذه. هذا كله وهو على دينه، ثم أسلم في شعبان سنة ست وخمسين وثلاثمائة، ولزم الصلاة، ودراسة القرآن الكريم.


= المحاضرة ٢/ ٢٠١، سير أعلام النبلاء ١٦/ ٤٤٢ - ٤٤٤ رقم ٣٢٧، طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ٣٨٠ - ٣٨١، عيون الأخبار - السبع السادس ٢٢٨ - ٢٤١، الأعلام ٨/ ٢٠٢ - ٢٠٣، تاريخ الإسلام (السنوات ٣٥١ - ٣٨٠ هـ) ص ٢٦٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>