وحكي أنه كان يظهر التشيع، ويبطل اعتقاد النصيرية، وكان عقله يملك فلتات لسانه، فما ظهر عليه أحد في اعتقاده إلا أنه طال جلوسه يومًا في مجلس خدرت فيه رجله، فلما أراد القيام، اتكأ بيده على الأرض ليقوم، ثم قال: يا علي يا عظيم؟ ثم قام، وكان في المجلس رحل من العلماء المتكلمين، فقال لهم: نصيري والله. فسمعها ابن وداعة ملء صماخية، ففار دم وجهه، وانصرف ولم يتكلم، ثم لم يسمع منه بعدها أبدًا.
قلت: ولعل هذا كان الجامع بينه وبين أحد شيوخنا في الأدب، كاتبه علي بن المظفر الكندي، فإنه هو الذي جذب بضبعه، وأسدى إليه معروفه، وجذبه إليه، واستكتبه بين يديه، ولزمه حتى فرق بينهما الموت المشتّت، وقطع حبال صحبتهما الدهر المبتت، وفي صحبتهما الطويلة يقول الكندي:[من مجزوء الكامل]
ولقد صَحِبْتُ الصَّاحِبَ ابن … وداعةٍ دَهرًا طويلا
وحكى لي والدي ﵀ قال: كان الصاحب بن وداعة يلازم الصلوات، المكتوبات في الجامع الأموي، وكانت داره جوار الدار الفاضلية بحضرة باب الجامع، وكان يصرف في كل يوم دينارًا بدراهم … . يتصدق بها في مروره إلى الجامع إذا ذهب إلى الصلاة، فإن عاقه عائق عن الصلاة في الجامع، يومًا من الأيام، تصدق اليوم الثاني عنه، وقضى النائب لا يخل بهذا أبدًا.
وحكي أن الملك الظاهر … وولاه الوزارة، وقع بينه وبين نائب الشام جمال الدين التجيبي، فكان يهينه ويسمعه كلامًا مما يتعلق بالرفض، فكتب ابن وداعة إلى السلطان يطلب منه مشدًّا تركيًا، وظن أنه يكون في تصريفه، ويستريح من التجيبي.
فرتب له السلطان عز الدين الشقيري فوقع بينه وبين الشقيري وبقي يهينه أيضًا، ثم كاتب فيه الشقيري، فجاء الأمر بمصادرته، فصودر، وعصره الشقيري وضربه، وعلقه في قاعة الشدّ، وباع أملاكه التي وقفها، وحمل شيئًا كثيرًا، ثم حمل إلى مصر، فمرض ودخل القاهرة مثقلًا، ثم مات في آخر سنة ست وستين وستمائة، ولم يعقب له أوقاف ومسجد وتربة بقاسيون.
وكان المحدث علاء الدين الكندي - صاحب التذكرة - يكتب بين يديه فنسب إليه.
= ٥٧٢، وشذرات الذهب ٥/ ٣٢٣، والوافي بالوفيات ١٨/ ٥٦٢ - ٥٦٣، رقم ٥٥٨، والمنهل الصافي ٢/ ٣٠٣ - ٣٠٥، رقم ٤٤٧، والدليل الشافي ١/ ٤١٨ رقم ١٤٤١، تاريخ الإسلام (السنوات ٦٦١ - ٦٧٠ هـ) ص ٢٢٥ رقم ٢٠٩.