وكان في دولة بني سلجوق أعزّ وزارئها، وأعزم آرائها وزر لبركياروق، ونظم الشتات، وثمر الأموال، وردَّ الأمور إلى قوانينها، وأعاد الحرمة إلى حالها، وأوقد جمرة السلطنة بعد أن خمدت، وأجرى يد الوزارة بعد أن خمدت، وأتى الدولة وقد اضمحلت، وشيد بنيانها، ومد الأعناق لوطأة قدمها، وخفض جناح النسر الطائر لعلو هممها،
وأسِر في الوقعة الكائنة بين بركياروق وأخيه محمد على بغداد، فحمل إلى مؤيد الملك بن نظام الملك، فأكرمه ونصب له خيمات، وضرب له خركاه، وحمل إليه ما يحتاج إليه من الفرس والكسوة، وضمنه عمارة ما خرب من بغداد، ثم أطلق سراحه.
وكان مغرى بهلاك الباطنية يزل معهم يسعى بهم حتى أمر السلطان بقتلهم، وجهد لو استطاع في اجتثاثهم من أصلهم، وقد غبرت تلك الأيام مدة عدها لا يخرج السلطان، ولا الوزير الأعز، فمن دونهما إلا وهو في درع مضاعفة خوفًا منهم، فلما نزل السلطان لحصار أصفهان، وكان قد ركب من خيمة إلى خدمة السلطان، فجاءه شاب أشقر، قيل: كان من غلمان أبي سعيد الحداد، وكان … الوزير الأعزّ فانتهز الفرصة في الوزير وقتله، وقيل، كان باطنيًا، فجرحه عدة جراحات، وتفرق أصحابه عنه، ثم عادوا إليه، فجرح أقربهم منه جراحات أثخنته وعاد إلى الوزير فتركه سامي رمق.
وكان كريمًا، واسع الصدر، حسن الخلق كثير العمارة، وفعل أول وزارته لإقامة الحرمة ما خافه الناس بسببه. وكان حسن المعاملة مع التجار … منه خلق كثير حتى كانوا يسألونه أن يعاملهم، فلما قتل ضاع لهم مال كثير.
حكي أن بعض التجار باعه متاعًا بألف دينار، وقال له: خذ بها حنطة من الزاد، إن كل كرّ بعشرة دنانير، فامتنع التاجر وقال: لا أريد غير الدنانير. فلما كان من الغد دخل إليه التاجر، فقال له: يهنيك يا فلان، قال: وما هو؟ قال: فائدة حنطتك، فقال: ما لي حنطة، ولا أريدها، فقال: بلى، قد بعت كل كرّ بخمسين دينارًا، فقال: أنى لي بهذا، وأنا لم أتقبل، فقال له الوزير: ما كنت لأرجع عن قول قلته. فأخرج ما قبض ثمن الحنطة. بارك الله لك.
وكان مع وفور عقل الوزير، وما عرف به من التدبير، قد نفق عليه عمل الكيمياء، ولم يصح له شيء منها.
قال ابن الأثير - عقيب ذكره حادثة يعتبر بها - قال: في سنة ثلاث وتسعين بيع رحل بني جهير ودورهم بباب العامة، ووصل ثمن ذلك إلى مؤيد الملك ثم قتل المؤيد،