للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ذلك، فقال: لأن أولئك ينسبون عليَّ بما ليس في، فأزداد عجبًا وتيهًا، وهذا يذكرني لي أني من عيوب نفسي فأنكسر.

وقيل: إنه كان ليلة يأكل الطعام، وإلى أحد جانبيه أخوه، وإلى الآخر عميد خراسان، وإلى جانبه فقير مقطوع اليد. فنظر نظام الملك فرأى العميد يتجنب الأكل مع المقطوع، فأمر بالانتقال إلى الجانب الآخر، وقرب المقطوع اليد إليه فأكل معه.

وكانت عادته يحضر الفقراء طعامه، ويقربهم إليه، ويدنيهم منه، ومحاسنه مشهورة مشكورة، ألفت فيها الكتب، وجالت في كل مسمع، وقطعت عن رجاء اللحاق به كل مطمع.

ولما مات أرسلان، وعهد إلى ابنه ملكشاه، قام الوزير نظام الملك بتدبيره وزاد الجند سبع مائة ألف دينار على إقطاعاتهم، ثم داخل الجند الطمع فمدّوا أيديهم إلى أموال الرعية، وتبسطوا فيها، وقالوا: ما يمنع السلطان أن يعطينا إلا نظام الملك، فذكر نظام الملك ذلك للسلطان وبيَّن له ما في هذا من الوهن، وذهاب السياسة، وخراب البلاد، فقال له: افعل ما ترى، فقال نظام الملك: ما يمكنني أن أفعل شيئًا إلا بأمرك، فقال له السلطان: قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها لك، وأنت الوالد، وحلف له، وأقطعه إقطاعًا زائدًا على ما كان بيده، من جملته طوس وبلادها، وخلع عليه ولقب ألقابًا من جملتها: «أتابك» ومعناه الأمير الوالد. وظهر من كفايته، وشجاعته، ما هو مشهور.

قال ابن الأثير (١): وكان يغشى مجلس أبي الحسن بن طلحة الداودي، وكان عالمًا، عابدًا، خيرًا، وكان يأتيه، ويجلس بين يديه، فيعظه، فيبكي حتى تبلّ دموعه لحيته.

ولما دخل ملكشاه بغداد أول قدمة قدمها، نزل بدار المملكة، أرسل الخليفة إليه هدايا كثيرة، وأرسل فرسًا منها لنظام الملك، وطلب نظام الملك إلى نظام الخلافة ليلًا فمضى في الزَّبْزَب، وعاد من ليلته، ثم سار مع السلطان إلى جهة البرية للصيد، فلما عاد وأدخل السلطان على الخليفة، فخلع عليه الخلع السلطانية، ثم لما خرج من عنده، لم يزل نظام الملك قائمًا يقدم أميرًا أميرًا إلى الخليفة، ويقول: هذا العبد فلان على نظام الملك خلعًا جليلة تقارب خلع السلطان.

وذكر ابن الأثير - ما معناه: أن نظام الملك لما اتسع ذيل تحكمه، وتسلّط بنوه،


(١) الكامل في التاريخ ١٠/ ٤١٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>