للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

بَيَّنَّاهُ فِي كِفَايَةِ المُنْتَهِي، وَهَذَا أَصَحُّهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

هذا العقد هناك لجهالة الغراس نصفها وجميعها لا لاعتبار معنى الاستئجار الذي هو في معنى قفيز الطحان.

فقد ذكر في المبسوط: لم يجز ذلك؛ لأنه يكون مشتريا نصف الغراس بنصف الأرض، والغراس مجهولة فلا يجوز ذلك، هكذا ذكره بعض المشايخ.

وأما الحاكم في المختصر فيقول: تأويل المسألة عندي أنه جعل نصف الأرض عوضًا عن جميع الغراس، ونصف الخارج عوضًا عن عمله، فعلى هذا الطريق اشترى العامل نصف الأرض بجميع الغراس، وهي مجهولة فكان العقد فاسدًا، فالشجر لرب الأرض؛ لأن العقد في الشجر كان فاسدًا وقد غرسه في أرضه بأمره، فكأن صاحب الأرض فعل ذلك بنفسه، فيصير قابضًا للغراس باتصالها بأرضه مستهلكا بالعرق (١)، فيجب عليه قيمة الشجر، وأجر ما عمل، وأجر عمله؛ لأنه ابتغى عوضه ولم ينل.

ثم قال بعده: والأصح عندي أن صاحب الأرض استأجره؛ ليجعل أرضه بستانا بآلات نفسه على أن يكون أجره بعض ما يحصل من عمله، وهو نصف البستان، فصار كما لو استأجر صباعًا ليصبغ ثوبه بصبغ نفسه على أن يكون نصف المصبوغ له، وذلك فاسد؛ لأنه في معنى قفيز الطحان.

وهذا لأن الغراس آلة تجعل الأرض بها بستانا، كالصبغ لثوب فيفسد، وبقيت الآلة متصلة بملك صاحب الأرض، وهي متقومة فيلزم عليه قيمتها، كما يجب على صاحب الثوب قيمة ما زاد الصبغ في ثوبه؛ لأن الغراس أعيان قائمة تقوم بنفسها، فلا يدخل أجر في قيمتها فيلزمه أجر عمله أيضًا؛ لأنه ابتغى منه عوضًا، ولم ينل، وهو معنى قول الشيخ (٢).

(وهذا أصحهما) أي: الذي ذكرناه في الكتاب من طريق قفيز الطحان أصح الطريقين، كما ذكر في المبسوط.


(١) كذا في الأصل والنسخة الثالثة: (بالعرق)، وفي الثانية: (بالعوق)، وفي مطبوع المبسوط: (بالعلوق).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٦/٣٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>