إقراره صحيح ورجوعه باطل، ويضمن للآخر قيمتها؛ لأنه أقر بها له وأنه صار مستهلكا على الثاني لإقراره بها للأول فيكون ضامنًا له قيمتها، هذا إذا دفعها للأول بغير قضاء.
وكذا لو دفعها بالقضاء يضمن عند محمد، وعند أبي يوسف لا يضمن.
وجه قول محمد: أنه أقر بالتزام الحفظ، فمتى أقر به لإنسان فقد سلطه على الأخذ فصار تاركًا للحفظ الواجب عليه بالعقد فيضمن، كما لو دل سارقًا على السرقة.
ولأبي يوسف أن بمجرد الإقرار لم يفت على الثاني شيء، وإنما الفوات بالدفع بإكراه القاضي فلا يكون موجبًا للضمان عليه، إليه أشار في المبسوط (١).
ووجه البناء على هذه المسألة أن الإقرار بالوديعة للثاني بعدما استحقه الأول لما كان مفيدًا للضمان عند محمد للثاني فينبغي أن يحلفه الثاني؛ لأن فائدة الحلف النكول وهو إقرار، والإقرار للثاني مفيد للضمان له.
وعند أبي يوسف لا يحلف؛ لأنه لا يضمن بالإقرار عنده، فكذا بالنكول فلا فائدة في التحليف، ولو قال المودع: أودعنيها أحدكما ولا أدري أيكما هو، فالمدعيان إذا اصطلحا على أخذها فلهما ذلك، والألف بينهما، وليس للمودع الامتناع عن تسليم الألف إليهما، وإن لم يصطلحا ويدعي كُلِّ عِلمَهُ فإنه يحلف لكل واحد.
وقال الشافعي وأحمد تكفي يمين واحدة؛ لأن الذي يدعى عليه أمر واحد وهو العلم بعين المالك فكفاه يمين واحدة، كما لو ادعياها فأقر لأحدهما بها.
وقلنا: لما ادعى كل واحد أنها له وهي تعرف فكان كل واحد مُدَّعى عليه الحفظ وهو ينكر، ثم إن حلف لهما قطع دعواهما في قول أبي يوسف، وفي قول محمد لهما أن يصطلحا بعد الاستحلاف على أخذ الألف بينهما، وبه قال