للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الصِّدْقِ مِثْلُ الأَوَّلِ، وَقَدْ تَرَجَّحَ الأَوَّلُ بِاتِّصَالِ القَضَاءِ بِهِ (وَعَلَيْهِمْ ضَمَانُ مَا أَتْلَفُوهُ بِشَهَادَتِهِمْ) لِإِقْرَارِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ الضَّمَانِ، وَالتَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الإِقْرَارِ، وَسَنُقَرِّرُهُ مِنْ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَا يَصِحُ الرُّجُوعُ إِلَّا بِحَضْرَةِ الحَاكِمِ) لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِلشَّهَادَةِ فَيَخْتَصُّ بِمَا تَخْتَصُّ بِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ المَجْلِسِ، وَهُوَ مَجْلِسُ القَاضِي، أَيَّ قَاضِ كَانَ، وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ تَوْبَةٌ وَالتَّوْبَةُ عَلَى حَسَبِ الجِنَايَةِ، فَالسِّرُّ بالسِّرِّ، وَالإِعْلَانُ بِالإِعْلَانِ. وَإِذَا لَمْ يَصِحَ الرُّجُوعُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ القَاضِي، فَلَوْ ادَّعَى المَشْهُودُ عَلَيْهِ رُجُوعَهُمَا وَأَرَادَ يَمِينَهُمَا لَا يَحْلِفَانِ، وَكَذَا لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُ ادَّعَى رُجُوعًا بَاطِلًا، حَتَّى لَوْ أَقَامَ البَيِّنَةَ أَنَّهُ رَجَعَ عِنْدَ قَاضِي كَذَا … ... … ... … ..

رجوعه في حق غيره على كل حال، ولا ينقض القضاء، ولا يرد المشهود به على المشهود عليه، وهو قول أبي يوسف ومحمد والأئمة الثلاثة (١).

قوله: (فالسر بالسر والإعلان بالإعلان) وهكذا جاء لفظ الحديث.

فإن قيل: ينبغي ألا يكون الرجوع مختصا بمجلس القاضي؛ لأنه إقرار بضمان مال المشهود عليه على نفسه بسبب الإتلاف بالشهادة الكاذبة، والإقرار لا يختص بمجلس القاضي.

قلنا: ما كان شرطًا في الابتداء يكون شرطًا في البقاء، كالمبيع، فإن وجوده شرط لابتداء البيع فكذا بقاؤه شرط لصحة الفسخ، فكذا الشهادة، فمجلس القاضي شرط لابتدائها فكذا شرط لفسخها، وهو الرجوع، ولا يلزم عليه رأس مال السلم، فإن إحضاره شرط في ابتداء العقد، وليس بشرط في فسخ السلم؛ لأنا نقول: إحضاره شرط للاحتراز عن الكالئ بالكالئ، وذلك المعنى لا يوجد في الفسخ (٢).

قوله: (رجوعًا باطلا) إذ الرجوع في غير مجلس القاضي باطل لما ذكرنا، والاستحلاف وسماع البينة بعد صحة الدعوى، والدعوى باطل؛ لما ذكرنا.


(١) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢٩٥)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ٢٠٦)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢٥٤)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٩/ ٦٥)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٦٥)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١١٣).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٨٠)، فتح القدير (٧/ ٤٨١).

<<  <  ج: ص:  >  >>