للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

وبهذا يتبين صحة إسناد ما روي عن ابن عباس في سبب نزول الآية، من أنها نزلت في بعض الصحابة ، بخلاف ما ذهب إليه القاسمي .

وأما الناحية الثانية: فالقاسمي ذكر عددا من الأوجه التي تدل على أن الآية نزلت في المنافقين:

الوجه الأول: أن طلبهم للجهاد وهم في مكة، مع قلة العَدد والعُدد، وممالأة العدو عليهم من كل جانب- في غاية البعد.

الوجه الثاني: أن السياق في المنافقين: وقد ابتدئ الكلام في شأنهم من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله تعالى الآتي ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية. كما يظهر من التدبر الصادق.

الوجه الثالث: أن هذا السياق اشتمل على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين. لأنه تعالى قال في وصفهم: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ ولا يكون هذا الوصف إلا لكافر أو منافق. وحكى تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ ولم يعهد هذا عن المؤمنين.

بل المحفوظ مبادرتهم للجهاد. كما روى ابن إسحاق في (السيرة) أن النبي استشار الناس في غزوة بدر. فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله ! امض لما أراك الله. فنحن معك. والله! لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [سورة المائدة: ٢٤]. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق! لو سرت بنا إلى بِرْكُ الغِمَادِ (١)، لجالدنا معك من


(١) برك الغماد: موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر، وقيل: بلد باليمن. ينظر: معجم البلدان: الحموي (١/ ٣٩٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>