مدحتُ رسولَ الله أبغي بمدحِه … وُفورَ حظوظي من كريمِ المآربِ
مدحتُ امرأً فاقَ المديحَ موحّدًا … بأوصافه عن مُبعِدٍ ومقارِب (١)
نبيًّا تسامى في المشارقِ نورُه … فلاحتْ هَواديه لأهل المغاربِ
أتتنا به الأنباءُ قبلَ مجيئه … وشاعتْ به الأخبارُ في كلّ جانب
وأصْبَحَتِ الكُهَّانُ تهتفُ باسمهِ … وتنفي به رجمَ الظنونِ الكواذب
وأُنطِقت الأصنامُ نطقًا تبرّأت … إلى الله فيهِ من مَقالِ الأكاذب
وقالت لأهل الكفر قولًا مبيّنًا: … أتاكم نبيٌّ من لؤيّ بنِ غالب
ورامَ استراقَ السمع جنٌّ فزيّلتْ … مقاعدَهم منها رجومُ الكواكب (٢)
هدانا إلى ما لم نكنْ نهتدي له … لطولِ العمى من واضحات المذاهب
وجاء بآت تبيّن أنها … دلائلُ جبّارٍ مثيبِ معاقب
فمنها انْشقاقُ البدرِ حين تعمّمت … شعوبُ الضيا منه رؤوس الأخاشب (٣)
ومنها نبوعُ الماء بينَ بَنانه … وقد عدِم الورَّاد قربَ المشارب (٤)
فروَّى به جمًّا غَفيرًا وأسْهلت … بأعناقِهِ طوعًا أكُفّ المذانِب (٥)
وبئرٍ طفتْ بالماء من مَسّ سَهْمِه … ومن قبلُ لم تسمح بمَذْقةِ شارب (٦)
وضرع مَرَاهُ فاستدرّ ولم يكنْ … به دِرّةٌ تُصغي إلى كفّ حالب
ونُطقٍ فصيحٍ من ذِراع مبينةٍ … لكيدِ عدوٍّ للعداوة ناصب
وإخبارِه بالأمر من قبلِ كونه … وعندَ بواديه بما في العواقب
ومن تلكم الآياتِ وَحيٌ أتى به … قريب المآتي مستجمّ العجائب
تقاصرتِ الأفكارُ عنه فلم يطعْ … بليغًا ولم يَخْطُر على قلبِ خاطب
حَوى كلَّ عِلمٍ واحْتَوى كلَّ حِكمةٍ … وفاتَ مرامَ المستمرّ الموارب
(١) في ط: عن معبد.
(٢) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٧ - ١٨].
(٣) قال ﷿ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. وحديث انشقاق القمر مشهور أورد ابن الأثير رواياته في جامع الأصول (١١/ ٣٩٦) عن البخاري ومسلم والترمذي. والأخاشب: الجبال.
(٤) حديث نبع الماء بين أصابعه ﷺ أخرجه مسلم (٣٠٠٦ وحتى ٣٠١٤)، في الزهد، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر.
(٥) المذانب: جمع مِذْنب وهو سيل الماء إلى الأرض.
(٦) المذقة: الشّربة.