ما نزلَتْ بالرِّجالِ نازِلةٌ … أعظمُ ضُرًّا من لَفْظةٍ بِفَمِ
عثرةُ هذا اللِّسانِ مُهلكةٌ … ليسَتْ لدينا كَعَثْرةِ القَدَمِ
احفظ لسانًا يُلقيك في تَلَفٍ … فَرُبَّ قولٍ أذَلَّ ذا كَرَمِ
فصل (٢)
اختلف النَّاس أيُّما أفضل: الغنيُّ الشاكر، أو الفقير الصَّابر؟ على قولين مشهورين. وقيل: هما سواء. وقيل: أفضلهما أتقاهما لله فيما هو فيه، فإن استويا فهما سواء. وقد سئل أبو علي الدَّقَّاق عن هذه المسألة؟ فقال: الغنيُّ أفضلُ؛ لأنَّ الغني من صفات الله تعالى؛ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] قال: ولكن الغنيَّ الذي يكون واثقًا بما عند الله لا بما في يديه، يعني: ما قاله رسولُ الله ﷺ في الحديث المتَّفق عليه: "ليس الغِنَى عن كثرة العَرض، إنَّما الغِنى غنَى النَّفسِ"(٣). وما أحسن ما قال بعضهم:
غنيتُ بلا مالٍ عن النَّاسِ كلِّهم … وإنَّ الغنَى العالي عن الشيء لا بهِ
وقال الآخر:
وإذا تذلَّلَتِ الرِّقابُ تواضُعًا … منَّا إليك فعزُّها في ذُلِّها
وقال الآخر:
تقنَّعْ بما يكفيكَ واستعمل الرِّضا … فإنَّك لا تَدري أتصبحُ أمْ تمسي
فليس الغنَى عن كثرةِ المالِ إنَّما … يكون الغِنَى والفقرُ مِن قبل النَّفْسِ
(١) تاريخ دمشق لابن عساكر (المجلد ٢/ الورقة ١٨٤). ومختصره لابن منظور (٤/ ١٤). (٢) هذا الفصل من زيادات النسخة الأحمدية، ولعلها من الناسخ، وأثبتها حفاظًا على الأصل المعتمد. (٣) رواه البخاري (١١/ ٢٣١ و ٢٣٢) في الرقاق، باب الغنى عن النفس؛ ومسلم رقم (١٠٥١) في الزكاة، باب ليس الغنى عن كثرة العرض. ورواه أيضًا الترمذي رقم (٢٣٧٣) في الزهد، باب ما جاء أن الغنى غنى النفس.