ثم قال مسلم: وحدّثني حَجّاجُ بنُ الشاعر، حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْب، حدثنا حمّادٌ، يعني ابنَ زَيْدٍ، حدثنا مَعْبَدُ بنُ هِلَالٍ العنَزِي، عن أنس بن مالك: أنّ رَجُلًا سأل النبيِّ ﷺ، قال: متَى تقُومُ الساعة؟ قال: فسكت النبيُّ ﷺ هُنَيهَةً، ثمّ نظرَ إلى غُلَامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أزْدِ شَنُوءَةَ، فقال:"إنْ عُمِّرَ هذَا، لَمْ يُدْرِكْهُ الهَرَمُ، حتَّى تَقُومَ السَّاعةُ" قال أنس: ذاك الغُلَامُ من أتْرابِي يومئذ. تفرّد به مسلم أيضًا، من هذا الوجه.
ثم قال مسلم: حدّثنا هارونُ بنُ عبد اللَّه، حدثنا عَفانُ بنُ مُسْلم، حدّثنا هَمَّامٌ، حدَّثنا قَتَادَةُ، عن أنس قال: مَرَّ غُلامٌ لِلمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَكَان مِنْ أَقْراني، فقالَ رَسولُ اللَّه ﷺ:"إِنْ يُؤَخَّرْ هذَا فَلَنْ يُدْرِكَهُ الهَرَمُ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ". ورواه البخاري، عن عمرو بن عاصم، عن هَمَّام، به (١).
وهذه الرواياتُ تدلّ على تَعْدادِ هذا السؤال، وهذا الجواب، وليس المراد بذلك تحديدَ وَقْتِ الساعة العُظْمَى إلى وَقْتِ هَرَمِ هذا الغلام المُشارِ إلَيه، وإنّما المراد سَاعَتَهُمْ، وهو انْقِراضُ قَرْنِهِمْ، وَعصْرِهِم، وأن قُصَارَاهُ تتَناهَى في مُدَّةِ عُمُرِ دَّلك الغُلام، كما تقدّم في الحديث:"تَسْألونِي عَنِ السَّاعَةِ وإنّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ، وأُقْسِمُ باللَّهِ مَا على الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ يَأتِي عَلَيْها مِئَةُ سنةٍ" وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ رِوايةُ عَائِشةَ ﵂: قَامَتْ عَلَيْكُمْ ساعتكم؟ وذلك أنَّهُ مَنْ مَاتَ فَقَدْ دَخَلَ في حُكْمِ القيَامَةِ، فإنَّ عَالَم البَرْزَخِ قَرِيبٌ مِنْ عَالَمِ يَومِ القِيَامةِ، وفيه شَبَهٌ مِنَ الدُّنيَا أيضًا، ولكنْ هُوَ أشْبَهُ بِالآخِرة، ثُمَّ إذا تَنَاهَتِ المُدَّةُ المَضْرُوبَةُ لِلدُّنْيَا، أَمَر اللَّهُ بِقِيام السَّاعَةِ، فَجُمِعَ الأَوَّلُونَ والآخِرُونَ لِميقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ، كما سيأتي بيانُ ذلك من الكتاب والسنَّة، واللَّه سبحانه المستعان (٢).
ذِكر دُنوِّ الساعة واقترابها وأَنها آتيةٌ لا ريب فيها، وأنها لَا تأْتي إلّا بَغْتَةً، ولا يعْلَم وقتَها على التعيين إلّا اللَّهُ تعالى