وقد تكلّمنا على ذلك في "التفسير"(٢) بما فيه كفايةٌ من إيراد الأحاديث المتعلّقة بذلك، والآثار المرويّة في ذلك، والأحكام المستفادة منه، وللَّه الحمد.
وقد قال الإمام أحمد (٣): حدّثنا أبو النّضر، حدّثنا المسعوديّ، حدّثنا عمرو بن مرّة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوالٍ، وأحيل الصيام ثلاثة أحوالٍ. فذكر أحوال الصلاة، قال: وأمّا أحوال الصيام، فإنّ رسول اللَّه ﷺ قدم المدينة، فجعل يصوم من كلّ شهرٍ ثلاثة أيامٍ، وصام عاشوراء، ثم إنّ اللَّه، ﷿، فرض عليه الصيام، وأنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينًا، فأجزأ ذلك عنه.
ثم إنّ اللَّه، ﷿، أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ فأثبت صيامه على المقيم الصحيح، ورخّص فيه للمريض والمسافر، وأثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصّيام، فهذان حولان. قال: وكانوا يأكلون، ويشربون، ويأتون النّساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إنّ رجلًا من الأنصار يقال له: صرمة كان يعمل صائمًا حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلّى العشاء، ثم نام، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح، فأصبح صائمًا، فرآه رسول اللَّه ﷺ قد جهد جهدًا شديدًا، فقال:"ما لي أراك قد جهدت جهدًا شديدً؟ " فأخبره. قال: وكان عمر قد أصاب من النساء (٤) بعدما نام، فأتى رسول اللَّه ﷺ، فذكر ذلك له، فأنزل اللَّه،﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ورواه أبو داود في "سننه"، والحاكم في "مستدركه" من حديث المسعوديّ نحوه (٥).
(١) رواه البخاري (٢٠٠٤) ومسلم (١١٣٠). (٢) انظر "التفسير" للمؤلف (١/ ٣٠٥ - ٣١٣). (٣) رواه أحمد في "المسند" (٥/ ٢٤٦) وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده. (٤) بعده في "مسند الإمام أحمد": "من جارية أو من حُرَّة". (٥) رواه أبو داود (٥٠٧) والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٢٧٤).