للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأئمة الثلاثة قال بعض المحققين من العلماء المتقين: أما عدم القبول فلاقتران السفر بالمعصية وفقدان الشرط وهو التقوى، قال الله تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ [المائدة: ٢٧] وأما صحة العبادة في نفسها فلوجود شروطها وأركانها، قال: ولا تناقض في ذلك، لأن أثر عدم القبول يظهر في سقوط الثواب - والعياذ بالله - وأثر الصحة يظهر في سقوط الفرض عنه وإبراء الذمة منه.

قلت: وقد أشار جماعة من العلماء إلى عدم القبول منهم الإمام القشيري والغزالي وابن عبدوس (١) والقرافي والقرطبي والنووي، ونقله الغزالي عن ابن عباس وكفى به حجة، وقال في آخر كلامه: أكل الحرام والشبهة مطرود محروم لا يوفق لعبادة الله وإن اتفق له فعل خير فهو مردود عليه غير مقبول منه.

وذكر الشيخ أبو العباس القرطبي (٢) في كتابه المفهم على صحيح مسلم: أن أبا بكر الصديق شرب جرعة من لبن فيه شبهة وهو لا يعلم ثم لما علم بذلك استقاءها فأجهده ذلك حتى تقيأها، فقيل له: أكل هذا في شربة لبن. فقال: والله لو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها، فإني سمعت رسول الله يقول: «كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به» (٣).

قلت: وإذا كانت الحال هذه فسبيل المرء أن يتقي الله في سره وعلانيته ويحافظ على شروط قبول عبادته، وقد قال بعض العلماء المحققين: إن إعمال الجوارح في الطاعات مع إهمال شروطها ضحك للشيطان لكثرة التعب وعدم النفع، وقد روي: «من حج من غير حل فقال: لبيك، قال الله تعالى له: لا لبيك ولا سعديك» (٤).


(١) أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبدوس الإمام المبرز الحافظ العادل وهو رابع المحمدين الذين اجتمعوا في عصر واحد من أئمة المذهب ابن سحنون وابن عبد الحكم وابن المواز أخذ عن سحنون وغيره وأخذ عنه القاضي حماسي وأحمد بن نصر وغيرهما من مؤلفاته: المجموعة وكتاب شرح المدونة وغيرهما. ولد سنة: ٢٠٢ هـ ومات سنة: ٢٦٠ هـ. الأعلام للزركلي: ج ٥، ص: ٢٩٤. وشجرة النور الزكية: ج ١، ص: ١٠٥، الترجمة: ١٢٦.
(٢) أحمد بن عمر بن إبراهيم، أبو العباس الأنصاري القرطبي: فقيه مالكي، من رجال الحديث. يعرف بابن المزين. ولد سنة: ٥٧٨ هـ ومات سنة: ٦٥٦ هـ. من مؤلفاته: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم وغيره الأعلام: ج ١، ص: ١٨٦.
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، الحديث: ٢٧٣٠. وفي المعجم الكبير الحديث: ٣٦١/ ١٥٦٩٢. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان الحديث: ٥٧٦٢.
(٤) الحديث بهذا المعنى أخرجه الطبراني في الأوسط الحديث: ٥٢٢٨. وفي الكبير الحديث:
=

<<  <  ج: ص:  >  >>