قال ابن رشد الحكم على الغائب في مذهب مالك على ثلاثة أقسام:
أحدها: غائب قريب الغيبة على مسيرة اليوم واليومين والثالثة، فهذا يكتب إليه ويعذر إليه في كل حق، فإما وكل، وإما قدم، فإن لم يفعل حكم عليه في الدين، وبيع عليه ماله من الأصل وغيره، وفي استحقاق العروض والحيوان والأصول وجميع الأشياء، من الطلاق والعتق وغير ذلك، ولم ترج له حجة في شيء من ذلك. والثاني: غائب بعيد الغيبة على مسيرة عشرة أيام وشبهها، فهذا يحكم عليه فيما عدا الاستحقاق في الرباع والأصول من الديون والحيوان والعروض، وترجى له الحجة في ذلك.
والثالث: غائب منقطع الغيبة، مثل مكة من افريقية، والمدينة من الأندلس وخراسان، فهذا يحكم عليه في كل شيء من الديون والحيوان والعروض والرباع والأصول وترجى له الحجة في ذلك.
قال ابن سهل وإرجاء الحجة للغائب فيما يحكم به عليه أصل معلوم به عند الحكام والقضاة ولا ينبغي العدول عنه ولا الحكم بغيره، إذ هو كالإجماع في المذهب. وذكر عن سحنون أنه لا ترجى له الحجة. وهو ضعيف. انتهى من تبصرة ابن فرحون (٢).
وقد استوفى المصنف ﵀ هذه الأقسام الثلاثة فقال: والقريب كالحاضر يحكم عليه بعد الإعذار في كل شيء، عقارا كان أو غيره، والبعيد الغيبة غيبته بعيدة كإفريقية من المدينة، قضى عليه في كل شيء كان عقارا أو غيره بغير إعذار بيمين القضاء، وظاهره وجوب اليمين، وهو على حجته، ويسمي الحاكم الشهود الذين حكم بشهادتهم على الغائب ليكون على حجته، إذ لعله يقدح في الشهود، بأنهم لا يشهدون عليه أولا يشهدون للمحكوم له.
وإلا نقض أي وإن لم يسم الحاكم الشهود نقض ذلك الحكم، والبعيد الغيبة غيبة متوسطة كالعشرة الأيام ونحوها، أو يومان مع الخوف، لأن الخوف يصير مسافة اليومين كالعشرة، يقضي عليه مع يمين القضاء في كل شيء غير استحقاق
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٢٣٣. (٢) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٧٦/ ٧٧.