قوله:(لا، لا أجيزه، أو أفتى) أي هذا ليس بحكم بلا خلاف.
الحكم والفتوى كلاهما إخبار عن حكم الله تعالى، ويجب على السامع اعتقادهما، وكلاهما يلزم المكلف من حيث الجملة. لكن الفتوى إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة، والحكم إخبار معناه الإنشاء والإلزام، وبيان ذلك بالتمثيل أن المفتي مع الله تعالى، كالمترجم مع القاضي ينقل ما وجده عن القاضي، واستفاده منه بإشارة أو عبارة أو فعل أو تقرير أو ترك، والحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكم ينشيء الأحكام، والإلزام بين الخصوم، وليس بناقل ذلك عن مشتنيبه.
قال له أي شيء حكمت به على القواعد فقد جعلته حكمي. من أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي (٢).
قوله:(ولم يتعد لمماثل) أي وإذا حكم حاكم مجتهد باجتهاده في نازلة لم ينعقد الحكم لمماثل النازلة، (بل إن تجدد) مثلها (ف) عليه (الاجتهاد)، لأن حكم القاضي إنما يتعلق بالجزئيات لا بالكليات.
قوله:(كفسخ برضع كبير، وتأبيد منكوحة عدة) وهذا مثال أي فإذا رفع إلى قاض أن أحد الزوجين رضع أم الآخر وهو كبير وفسخ القاضي نكاحهما، فالفسخ ثابت، لا ينقضه أحد، ولكنه إن تزوجها بعد ذلك فرفع أمرهما إلى غيره لم يمنعه ذلك الفسخ أن يجتهد ويبيحها له، إن أداه اجتهاده إلى أن رضاع الكبير لا ينشر الحرمة، وكذلك لو رفع إليه نفسه وتغير اجتهاده، إلى أن إرضاع الكبير لا ينشر الحرمة، فله أن يبيحها له.
وكذلك من تزوج امرأة في عدتها ورفع ذلك إلى قاض مالكي، فإنه يرى مع الفسخ تأبيد التحريم، ومع هذا فإن حكمه لا يتعدى الفسخ، فإن تزوجها بعد ذلك ورفع أمرهما إلى قاض آخر لا يرى تأبيد التحريم، لم يكن القضاء الأول مانعا من أن يبيحها له، ويكون الحكم في حق المرأتين في هذا الفرع والذي قبله، حكم امرأتين لم يتقدم عليهما حكم. انتهى من تبصرة ابن فرحون (٣).
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ١، ص: ٧٨. (٢) أنوار البروق للقرافي: ج ٤، ص: ١٢٠، ١٢١، ١٢٢. (٣) تبصرة الحكام لابن فرحون: ج ٢، ص: ٨٠.