للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ذلك إلى الحكم بالظاهر، أنه تعالى كلف الأمة بالاقتداء به في أقواله وأفعاله، ولو حكم مستندا إلى القطع لم يمكن الاقتداء به، لأن الإطلاع على ضمير الخصمين وحقيقة الأمر يكون من خصائصه ، ويحتج به أيضا من لا يجيز حكم الحاكم بعلمه، لقوله : «على نحو ما أسمع»، ولم يقل: أعلم. إكمال الإكمال (١). وفي المدارك والإخفاء بأن حكمة الله تعالى في منصب الحكم والقضاء، تحقيق الحق وإبطال الباطل بحكم الدلائل الظاهرة، وقطع المنازعة والمشاجرة، وحكمهم بذلك ماض وبواطن الأمور إلى الله تعالى. ومن خادع الله فإنما يخادع نفسه (٢) أي فإذا حكم حاكم في نازلة فيها خلاف، فإن حكمه ذلك يرفع ذلك الخلاف ويصير كالمتفق عليه في تلك النازلة بعينها لا في أمثالها.

قوله: (لا أحل حراما) أي ولا يحل الحكم حراما بل يبقى على حاله، لأن الحكم على الظواهر، والله يتولى السرائر، لا خلاف عند أهل المذهب أنه لا فرق بين الأموال والفروج كما قطع به ابن رشد وابن عرفة وغيرهما. انتهى.

فحكم الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا على من علمه في باطن الأمر، لأن الحاكم إنما يحكم بما ظهر، وهو الذي يحكم به، ولا ينقل الباطن عند من علمه عما هو عليه من التحليل أو التحريم.

قال رسول الله : «إنما أنا بشر مثلكم ولعلكم تختصمون إلي، فلعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار» (٣). وهذا إجماع من أهل العلم في الأموال. واختلفوا في انعقاد النكاح أو حل عقده بظاهر ما يقضي به الحاكم وهو خلاف الباطن. فمذهب مالك والشافعي وجمهور أهل العلم،


(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٦، ص: ٢٢٦/ ٢٢٧.
(٢) ترتيب المدارك للقاضي عياض: ج ١، ص: ٤٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: (٩٧). كتاب الأحكام. (٢٠) - باب موعظة الإمام للخصوم.
الحديث: ٦٧٤٨. وأخرجه مسلم في صحيحه: (٣٠) كتاب الأقضية (٣) - باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة. الحديث: ٤ (١٧١٣). ولفظه عند مسلم: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع منه فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له به قطعة من النار وأخرجه الشافيع في مسنده: كتاب إبطال الاستحسان، الحديث: ١٢٦٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>