قال المازري: تجوز تولية قاضيين ببلدين، على أن يخص كل منهما بناحية من البلد، أو نوع من المحكوم فيه، لأن هذه الولاية يصح فيها التخصيص والتحجير، وكذلك على عدم التخصيص مع استقلال كل منهما بنفوذ حكمه، ومنعه بعض الناس بمقتضى السياسة خوف تنازع الخصوم فيمن يحكم بينهم، ومقتضى أصول الشرع جوازه، لأن لذي الحق استنابة من شاء على حقه، والتنازع مرتفع شغبه باعتبار قول الطالب. انتهى (١).
وكذلك يجوز تعدد قاض خاص بناحية من البلد، إذا كان مستقلا بحكمه بلا مشارك فيه، وكذلك يجوز تعدد قاض مستقل خاص بنوع من الأحكام كالأنكحة مثلا أو نوعا من الناس.
قوله:(والقول للطالب ثم من سبق رسوله، وإلا أقرع) أي وإذا تنازعا المدعي والمدعى عليه فيمن يختصمان عنده من الحكام، فإن القول قول الطالب فيختصمان عند من أراده وتنازعا في ابتداء الطلب، وهذا إذا كانا في بلد واحد، وأما إذا كانا في بلدين فسيذكره الشيخ حيث قال: وهل يدعى حيث المدعى عليه وبه العمل أو المدعي، فإن كانا طالبين وتنازعا في ابتداء الطلب، فالقول لمن سبق رسول القاضي إليه، ظاهره وإن سبق طلب الآخر، وقد يريد أحد الخصمين القاضي لعدله، ويريد خصمه آخر ليعرف شهوده دون الآخر، وإلا أقرع بينهما إذ لا مرجح، فإن اتفقا على القرعة فلا كلام، وإلا أقرع بينهما القاضي.
قوله:(كالإدعاء، وتحكيم غير: خصم وجاهل وكافر، وغير مميز، في مال، وجرح) أي كما لا يقرع بينهما إذا تنازعا في الإدعاء، كل منهما يدعي أنه مدع، وهو تشبيه لما يأتي بعد، وإلا فالجالب وإلا أقرع.
قوله: وجاز تحكيم غير خصم.
التحكيم أن يتفق الخصمان على من يحكم بينهما من غير ولاية من الإمام أو القاضي. شرع هنا الله فيما يجوز فقال: وجاز تحكيم غير خصم، وأما تحكيم الخصم فلا يجوز، فإن حكم فحكمه باطل، وكذلك يجوز تحكيم غير جاهل، وأما الجاهل فلا يجوز تحكيمه، والكافر أحرى، وكذلك لا يجوز تحكيم غير مميز،