فيجب القضاء، سواء كان ذلك تطوعًا أو واجبًا بأصل الشرع وهو الفريضة، أو بالنذر؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» وعليه هَدْي في عام القضاء (١).
المبحث الرابع: الهَدْي، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: هل يَلزم مَنْ فاته الوقوف بعرفة هَدْي؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: مَنْ فاته الحج يَلزمه هَدْي. وهذا قول المالكية والشافعية والحنابلة (٢).
واستدلوا بالسُّنة والمأثور:
أما السُّنة، فاستدلوا بما رواه عطاء مرسلًا: «مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ، فَعَلَيْهِ دَمٌ».
وأما المأثور، فاستدلوا بأن عمر قال لأبي أيوب حين فاته الحج: اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ، فَإِذَا أَدْرَكْتَ الْحَجَّ قَابِلًا فَحُجَّ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجُّ: فَإِنْ أَدْرَكَهُ الْحَجُّ قَابِلًا، فَلْيَحُجَّ إِنِ اسْتَطَاعَ وَلْيُهْدِ (٣).
القول الآخَر: لا يجب الدم على مَنْ فاته الوقوف بعرفة. وهو مذهب الحنفية ورواية عن أحمد (٤).
واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» قالوا: فليس في الحديث أن عليه هديًا.
والراجح: وجوب الهَدْي على مَنْ فاته الوقوف بعرفة؛ جبرًا للخلل الذي وقع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولقول عمر بن الخطاب وابن عمر، ولم يُعْرَف لهما من الصحابة مُخالِف. وإيجاب الدم بالقياس على المُحصَر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولا يجزئ ذبح هَدْي الفوات إلا بالحَرَم.
(١) «الشرح الممتع» (٧/ ٤١٣).
(٢) «مواهب الجليل» (٤/ ٣٠١)، و «المجموع» (٨/ ٢٨٥)، و «الإنصاف» (٤/ ٦٤).
(٣) إسناده صحيح: أخرجه الشافعي (٩٩٣) عن موسى بن عُقبة، عن نافع، عن ابن عمر، به.
(٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٢٠)، و «المبدع» (٣/ ٢٤٤).