فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وعن ابن مسعود ﵁ قال: إِذَا حَجَجْتَ فَاشْتَرِطْ (١).

وعن عائشة ﵂ أنها قالت لعروة: هَلْ تَسْتَثْنِي إِذَا حَجَجْتَ؟ فَقُلْتُ لَهَا: مَاذَا أَقُولُ؟ فَقَالَتْ: قُلْ: اللَّهُمَّ الْحَجَّ أَرَدْتُ وَلَهُ عَمَدْتُ، فَإِنْ يَسَّرْتَهُ فَهُوَ الْحَجُّ، وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَهِيَ عُمْرَةٌ (٢).

القول الثاني: لا يصح الاشتراط. وهذا مذهب الحنفية والمالكية (٣).

واستدلوا بالقرآن والمأثور:

أما القرآن، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالاشتراط يخالف هذه الآية، فيَجوز عدم الإتمام فهو باطل.

وأما المأثور، فاستدلوا بما ورد عن ابن عمر، أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الاِشْتِرَاطَ فِي الحَجِّ، وَيَقُولُ: حَسْبُكُمْ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ، إِنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ، فَإِنْ حَبَسَ أَحَدَكُمْ حَابِسٌ، فَلْيَأْتِ البَيْتَ فَلْيَطُفْ بِهِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ لِيَحْلِقْ أَوْ ليُقَصِّرْ، ثُمَّ لِيُحْلِلْ، وَعَلَيهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ (٤).

ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:

الأول: ما قاله ابن قُدامة: وَلَا قَوْلَ لِأَحَدٍ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَيْفَ يُعَارَضُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ؟! وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَدِيثٌ لَكَانَ قَوْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ مَعَ مَنْ قَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ- أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ (٥).

الثاني: ما قاله البيهقي: عِنْدِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَوْ بَلَغَهُ حَدِيثُ ضُبَاعَةَ فِي الِاشْتِرَاطِ، لَمْ يُنْكِرْهُ كَمَا لَمْ يُنْكِرْهُ أَبُوهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ السُّنَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ (٦).


(١) إسناده ضعيف: رواه ابن أبي شيبة (١٤٩٦٨). وفي إسناده عَمِيرة بن زياد، وهو مجهول، لم يوثقه سوى العِجْلي، وذَكَره ابن حِبان في «الثقات» وهما متساهلان في توثيق المجاهيل.
(٢) إسناده صحيح: رواه الشافعي في «مسنده» (٨١٣) من طريق ابن عُيَيْنة، عن هشام بن عُروة، به.
(٣) قَالَ مَالِكٌ: الِاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ بَاطِلٌ، وَيَمْضِي عَلَى إِحْرَامِهِ حَتَّى يُتِمَّهُ عَلَى سُنَّتِهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ قَوْلُهُ: (مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسَتْنِي) وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ. «الاستذكار» (١٣/ ٣٦٢).
(٤) إسناده صحيح: أخرجه النَّسَائي (٢٧٧٠) من طريق مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن سالم، عن أبيه، به.
(٥) «المغني» (٥/ ٩٣).
(٦) «المجموع» (٨/ ٣٠٩).

<<  <   >  >>