قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ زَوْرَهُ ضَاقَ فَتَقَارَبَتْ ثَفِنَاتُ يَدَيْهِ.
وَاللَّبَانُ مِنَ الصَّدْرِ مَا جَرَى عَلَيْهِ اللَّبَنُ، وَأَمَّا الزَّوْرُ فَفِيهِ قَوْلَانِ، قِيلَ: هُوَ وَسَطُ الصَّدْرِ، قَالَهُ الْخَلِيلُ، وَقِيلَ: أَعْلَى الصَّدْرِ وَمَا يَصْعَدُ مِنْهُ إِلَى الْكَتِفَيْنِ، وَإِنَّمَا اسْتُحِبَّ فِي أَعْلَاهُ أَنْ يَكُونَ ضَيِّقًا لِيَكُونَ أَوْسَعَ لِمَجَالِ عَضُدَيْهِ وَإِذَا اتَّسَعَ أَعْلَى الصَّدْرِ ضَاقَ مَجَالُ عَضُدَيْهِ وَانْسَحَجَا لِاصْطِكَاكِهِمَا مَعَ جَنْبَيْهِ.
وَالضَّرِيسُ: الْبِئْرُ الْمَطْوِيَّةُ بِالْحِجَارَةِ شَبَّهَ بِهَا جَوْفَهُ فِي عِظَمِهِ، وَالْمَعْنَى: شَدِيدُ طَيِّ الْجَوْفِ الشَّبِيهِ بِالضَّرِيسِ، فَسَمَّى الْجَوْفَ ضَرِيسًا مُبَالَغَةً فِي التَّشْبِيهِ، وَأَجْرَى الْمَجَازَ مَجْرَى الْحَقِيقَةِ وَالْفَرْعَ مُجْرَى الْأَصْلِ، والْعَرَبُ تُسَمِّي الْمُشَبَّهَ بِاسْمِ مَا شَبَّهَتْهُ بِهِ مُبَالَغَةً فِي مَعْنَى الشَّبَهِ، يُرِيدُونَ أَنَّهُ لَمَّا أَفْرَطَ فِي شَبَهِهِ لَهُ صَارَ كَأَنَّهُ هُوَ وَهُوَ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ، قَالَ الشَّاعِرُ: (طويل)
وَعَادِيَةٍ سَوْمَ الْجَرَادِ وَزَعْتُهَا … وَأَقْبَلْتُهَا سِيدًا أَزَلَّ مُصَدَّرًا (١)
وَالسِّيدُ: الذِّئْبُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ فَرَسًا يُشْبِهُ الذِّئْبَ، وَنَظِيرُ تَشْبِيهِهِ جَوْفَهُ بِالضَّرِيسِ قَوْلُ النَّابِغَةِ: (متقارب)
وَيَصْهَلُ فِي مِثْلِ جَوْفِ الطَّوِيِّ (٢) البيت
وقوله: "شَدِيدُ طَيِّ ضَرِيسٍ": تَقْدِيرُهُ شَدِيدٌ طَيُّ ضَرِيسِهِ كَمَا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنٍ لَوْنُ خَدِّهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ لِيَكُونَ فِي الصِّفَةِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إِلَى الْمَوْصُوفِ ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ وَنَقَلَ الصِّفَةَ عَنِ الطَّيِّ إِلَى الْمَوْصُوفِ قَبْلَهَا وَخَفَضَ الطَّيَّ بِإِضَافَةِ شَدِيدٍ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُعَوِّضِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ مِنَ الضَّمِيرِ ثِقَةً بِفَهْمِ السَّامِعِ، فَيَقُولُ: شَدِيدُ طَيِّ الضَّرِيسِ، فَصَارَ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنِ لَوْنِ خَدٍّ، وَالْقِيَاسُ: حَسَنُ لَوْنِ الْخَدِّ، وَنَحْوٌ مِنْهُ قَوْلُهُ: (رجز)
(١) البيت للنابغة الجعدي في المعاني الكبير: ١/ ٣٥؛ جمهرة الأشعار: ١٤٦.(٢) تمامه:صَهِيلًا يُبِينُ لِلْمُعْرَبِالخيل لأبي عبيدة: ١٠٣؛ التنبيهات: ٢١٦؛ السمط: ٤١٤.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.