الْمَوَاطِنِ قَضَى الَّذى عَليْهِ، وَمَنْ شَنَأَ الْفَاسِقِينَ وَغَضِبَ لله غَضِبَ الله لَهُ. فَقَامَ إِلَيْهِ عَمَّارُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤُمِنِينَ: أَخْبِرْنَا عَن الْكُفْرِ، عَلَى مَا بُنِىَ؟ كَمَا أَخْبَرْتَنَا عَن الإيمَانِ، قَالَ: نَعَمْ يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، بُنِىَ الْكُفْرُ عَلَى أَرْبِعِ دَعَائِمَ: عَلَى الْجَفَاءِ وَالْعَمَى - وَالْغَفْلَةِ وَالشَّكِّ، فَمَنْ جَفَا احْتَقَرَ الْحَقَّ وَجَهَرَ بِالْبَاطِلِ وَمَقَتَ الْعُلَمَاءَ وَأَصَرَّ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ، وَمَنْ عَمِىَ نَسِىَ الذِّكْرَ، وَاتَّبَعَ الظَّنَّ، وَطَلَبَ الْمَغْفِرَةَ بِلَا تَوْبَةٍ وَلَا اسْتِكَانَةٍ، وَمَنْ غَفَلَ حَادَ عَن الرُّشْدِ، وَغَرَّتْهُ الأَمَانِىُّ وَأَخَذَتْهُ الْحَسْرَةُ وَالنَّدَامَةُ، وَبَدَا لَهُ مِن الله مَا لَمْ يَكُنْ يَحْتَسِبُ، وَمَنْ عَتَا فِى أَمْرِ الله شَكَّ، وَمَنْ شَكَّ تَعَالَى الله عَليْهِ فَأَذَلَّهُ بسُلْطَانِهِ، وَصَغَّرهُ بِجَلَالِهِ كَمَا فَرَّطَ فِى أَمْرِهِ، وَاغْتَرَّ بِربِّهِ الْكَرِيمِ، وَالله أَوْسَعُ بِمَا لَدَيْهِ مِنَ الْعَفْوِ وَالتَّيْسِيرِ، فَمَنْ عَمِلَ بِطَاعَةِ الله اجْتَلَبَ بِذَلِكَ ثَوَابَ الله، وَمَنْ تَمَادَى فِى مَعْصِيَة الله ذَاقَ وَبَالَ نِعْمَةِ الله، فَهَنِيئًا لَكَ يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، عُقْبَى لَا عُقْبِى غَيْرُهَا، وَجَنَّاتٌ لَا جَنَّاتٌ بَعْدَهَا فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَدِّثْنَا عَنْ مَيتِ الأَحْيَاءِ، قَالَ نَعَمْ: إِنَّ الله بَعَثَ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَصَدَّقَهُمْ مُصَدِّقُونَ، وَكَذَّبَهُمْ مُكَذِّبُونَ، فَيُقَاتِلُونَ مَنْ كَذَّبَهُمْ بِمَنْ صَدَّقَهُمْ، فَيُظْهِرُهُمُ الله، ثُمَّ تَمُوتُ الرُّسُلُ فَتَخْلُفُ خُلُوفٌ، فَمِنْهُمْ مُنْكِرٌ لْلمُنْكَرِ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ، فَذَلِكَ اسْتَكْمَلَ خِصَالَ الْخَيْرِ، وَمِنْهُمْ مُنْكِرٌ لِلْمُنْكَرِ بلِسَانِهِ وَقَلْبَهِ تَارِكٌ له بِيَدِهِ، فَذلِكَ خَصْلَتَانِ مِنْ خِصالِ الْخَيْرِ تَمَسَّكَ بِهِمَا، وضَيَّعَ خصْلَةً واحدة وَهِىَ أَشْرَفُهَا، وَمنْهُمْ مُنْكِرٌ لِلْمُنْكَرِ بِقَلْبِهِ تَارِكٌ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ فَذَلِكَ ضَيَّعَ شَرَفَ الْخَصْلَتَيْنِ مِنَ الثَّلَاثِ وَتَمَسَّكَ بِوَاحِدَةٍ، وَمِنْهُمْ تَارِكٌ لَهُ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِه ويَدِهِ، فَذَلِكَ مَيْتُ الأَحْيَاءِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَلَى مَا قَاتَلْتَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ؟ قَالَ: قَاتَلْتُهُمْ عَلَى نَقْضِهِمْ بَيْعَتِى وَقَتْلِهِمْ شِيعَتِى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، حَكِيمُ بَنُ جَبَلَةَ الْعَبْدِىُّ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، والسَّائِحَةُ والأَسَاوِرَةُ بِلَا حَقٍّ اسْتَوْجَبُوهُ مِنْهُمَا، وَلَا كَانَ ذَلِكَ لَهُمَا دُونَ الأمَامِ، وَلَوْ أَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ بِأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ لَقَاتَلَاهُمَا، ولقد علم مَنْ ههنا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ أَبَا بَكْر وَعُمَرَ لَمْ يَرْضَيَا مِمَّن امْتَنَع مِنْ بَيْعَةِ أَبِى بَكْرٍ حَتَّى بَايَعَ وَهُوَ كَارِهٌ، وَلَمْ يَكُونُوا بَايَعُوهُ بَعْدُ الأَنْصَارُ، فَمَا بَالِى وَقَدْ بَايَعَانِى طَائِعَينِ غَيْرَ
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute