للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السُعَدَاءُ بِالإيمَانِ، وَخُذِلَ الأَشْقياءُ بِالْعِصْيَانِ مِنْ بَعْدِ اتِّجَاهِ، الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالْبَيَانِ، إِذْ وَضَحَ لَهُمْ مَنَارُ الْحَقِّ وَسبِيلُ الْهُدَى، فتارك الحق مشوه يوم التغابن داحضة حجته عند فوزِ السعداء بالجنَّة، فَالإيمَانُ يُسْتَدَلُّ به عَلِى الصَّالِحَاتِ، وَبِالصَّالِحَات يَعْمُرُ الْفِقْهُ، وَبِالْفِقْهِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ، وَبِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا، وَبِالدُّنْيَا تَخْرُجُ الآخِرَةُ وَفِى الْقيَامَةِ حَسْرَةُ أَهْلِ النَّارِ، وَفِى ذِكْرِ أَهْلِ النَّارِ مَوْعِظَةُ أَهْلِ التَّقْوَى، وَالتَّقْوَى غَايَةٌ لَا يَهْلِكُ مَن اتَّبَعَهَا، وَلَا يَنْدَمُ مَنْ عَمِلَ بِهَا؛ لأَنَّ بِالتَّقْوَى فَازَ الْفَائِزُونَ، وَبِالْمَعْصِيَةِ خَسِرَ الْخَاسِرُونَ، فَلْيَزْدَجِرْ أَهْلُ النُّهَى، وَليَتَذَكَّرْ أَهْلُ التَّقْوَى، فَإِنَّ الْخَلْقَ لَا مُقَصِّرَ لَهُمْ فِى الْقِيَامَةِ دُونَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَىِ الله، مرفلين في مِضْمَارِهَا نَحْوَ الْقَصَبَةِ الْعُلْيَا إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى، مُهْطِعينَ بِأَعْنَاقِهِمْ نَحْوَ دَاعِيهَا، قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرِّ الأَجْدَاثِ وَالْمَقَابِرِ إِلَى الضَّرُورَةِ أَبَدًا، لِكُلِّ دَارٍ أَهْلُهَا، قَدِ انْقَطَعَتْ بِالأَشْقِيَاءِ الأَسْبَابُ، وأفضوا إِلَى عَدْلِ الْجَبَّارِ، فَلَا كَرَّةَ لَهُمْ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا، فَتَتَبَرَّءُوا مِنَ الَّذِينَ آثرُوا طاعَتَهُمْ عَلَى طَاعَةِ الله، وَفَازَ السُّعَدَاءُ بِوِلَايَةِ الإِيمَانِ، فَالإِيمَانُ يَا ابْنَ قَيْسٍ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: الصَّبْرِ، وَالْيَقِينِ، وَالْعَدْلِ، وَالْجِهَادِ، فَالصَّبْرُ مِنْ ذَلِكَ علَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: الشَّوْقِ، وَالشَّفَقِ، وَالزُّهْدِ، وَالتَّرَقُّبِ، فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَن الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ رَجَعَ عَن الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِى الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيبَاتُ، وَمَن ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ فِى الْخَيْرَاتِ، وَالْيَقِينُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: تَبْصِرَة الْفِطْنَةِ، وَمَوْعِظَة الْعِبْرَةِ، وَتَأوِيل الْحِكْمَةِ، وَسُنَّة الأَوَّلِينَ، فَمَنْ أَبْصَرَ الْفِطْنَةَ تَأَوَّلَ الْحِكْمَةَ، وَمَنْ تأَوَّلَ الْحِكْمَةَ عَرَفَ الْعِبْرَةَ، وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ عَرَفَ السُّنَةَ، وَمَنْ عَرَفَ السَّنَّةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِى الأَوَّلِينَ فَاهْتَدَى إِلَى الَّتِى هِىَ أَقْوَمُ، وَالْعَدْلُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: غَائِصِ الْفَهْمِ، وَغَمْرَةِ الْعِلْمِ، وَزَهْدَةِ الْحُكْمِ، وَرَوْضَةِ الْحِلْمِ فَمَنْ فَهِمَ فَسَّرَ جَمِيعَ الْعِلْمِ، وَمَنْ عَلِمَ عَرَفَ شَرَائِعَ الْحُكْمِ، وَمَنْ عَرَفَ شَرَائِعَ الْحُكْمِ لَمْ يَضِلَّ، وَمَنْ حَلِمَ لَمْ يُفْرَطْ أَمْرُهُ، وَعَاشَ فِى النَّاسِ حَمِيدًا، وَالْجِهَادُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِم: الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْىِ عَن الْمُنْكَرِ، وَالصِّدْقِ فِى الْمَوَاطِنِ، وَشَنَآنِ الْفَاسِقِينَ، فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظَهْرَ الْمُؤْمِنِ، وَمَنْ نَهَى عَن الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أَنْفَ الْمُنَافِقِ، وَمَنْ صَدَقَ فِى

<<  <  ج: ص:  >  >>