مُكْرَهَينِ وَلَكِنَّهُمَا طَمِعَا مِنِّى فِى وِلَايَةِ الْبَصْرَةِ وَالْيَمَنِ، فَلَمَّا لَمْ أُوَلِّهما وَجَاءَهُمَا الَّذِى غَلَبَ مِنْ حُبِّهِمَا لِلدُّنْيَا وَحِرْصِهِمَا عَليْهَا خِفْتُ أَنْ يَتَّخِذَا عِبَادَ الله خولا وَمَالَ الْمُسْلِمينَ لأَنْفُسِهِمَا، فَلَمَّا زَوَيْتُ (ذَلكَ) (*) عَنْهُمَا وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ جَرَّبْتُهُمَا وَاحْتَجَجْتُ علَيْهِمَا. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَخْبِرْنَا عَن الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْىِ عَن الْمَنْكَرِ أَوَاجِبٌ هُوَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الله الأُمَمَ السَّالِفَةَ قَبْلَكُمْ بتَرْكِهِمْ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىَ عَن الْمُنْكَرِ، يَقُولُ الله - عَزَّ وَجَلَّ -: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} وَإِنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْىَ عَن الْمُنْكَرِ لَخُلُقَانِ مِنْ خُلُقِ الله، فَمَنْ نَصَرَهُمَا نَصَرَهُ الله، وَمَنْ خَذَلَهُمَا خَذَلَهُ الله، وَمَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا وَالْجِهَادُ فِى سَبيلِهِ عِنْدَ الأَمْرِ بالْمَعْرُوفِ والنَّهْىِ عَن الُمُنْكَرِ إِلَا كبقعة فِى بَحْرٍ لُجِّىٍّ، فَمُرُوا بِالْمَعْرُوَفِ وانْهَوا عَن الْمُنْكَرِ، فَإِنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىَ عَن الْمُنْكَرِ لَا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ، وَلَا يُنْقِصَانِ مِنْ رِزْقٍ، وأَفْضَلُ الْجِهَادِ كلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ، وَإِنَّ الأمْرَ لَيَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ كَمَا يَنْزِلُ قَطرُ الْمَطَرِ إِلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا قَدَّرَ الله لَهَا مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فِى نَفْسٍ أَوْ أَهْلٍ أَوْ مَالٍ، فَإِذَا أَصَابَ أَحَدكم نقصانا فِى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَرَأَى الآخَر ذَا يَسَارٍ لَا يَكُونَنَّ لَهُ فِتْتَةٌ، فَإِنَّ الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ الْبرِئَ مِنَ الْخِيَانَةِ لَيَنْتَظِرُ مِنَ الله إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ: إِمَّا مِنْ عِنْدِ الله فَهُوَ خَيْرٌ وَاقِعٌ، وَإِمَّا رِزْقٌ مِنَ الله يَأَتِيهِ عَاجِلٌ، فإِذَا هُوَ ذُو أَهْلٍ وَمَالٍ وَمَعَهُ حَسَبُهُ وَدِينُهُ، الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالْبَاَقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ حَرْثُ الدُّنْيَا، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ حَرْثُ الآخِرَةِ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا الله لأَقْوَامٍ. فَقَامَ إِليْه رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنْ أَحَادِيثِ الْبِدَعِ، قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: إِنَّ أَحَادِيثَ سَتَظْهَرُ مِنْ بَعْدِى حَتَّى يَقُولَ قَائلُهُمْ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وَسَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كُلُّ ذَلِكَ افْترَاءٌ عَلَىَّ، وَالًّذِى بَعَثَنِى بِالْحَقِّ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِى عَلَى أَصْلِ دِينِهَا وَجَمَاعَتِهَا عَلى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا ضَالَّةٌ مُضِلَّةٌ تَدْعُو إِلَى النَّارِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ
(*) من الكنز.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute