وكيف يردّ مثل هذه الأخبار، وفي الصّحيح أنّ رسول اللّه ﷺ قال:«خلق اللّه آدم طوله ستون ذراعا في السّماء، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن».
وذكر محمد بن عبد الرّحيم بن سليمان بن ربيع القيسي الغرناطي في كتاب «تحفة الألباب» قال: نقل الشّعبي (١) في كتاب «سير الملوك»، أنّ الضّحّاك بن علوان لمّا هرب منه لام بن عامر إلى ناحية الشّمال، أرسل في طلبه أميرين، مع كلّ أمير طائفة من الجبّارين، خرج أحدهما قاصدا إلى بلغار، والآخر إلى باشغرد (a)، فأقام أولئك الجبّارون في أرض بلغار وفي باشغرد (a).
قال الأقليسي: وقد رأيت صورهم في باشغرد، ورأيت قبورهم بها، فكان ممّا رأيته ثنيّة أحدهم طولها أربعة أشبار وعرضها شبران، وقد كان عندي في باشغرد نصف أصل الثّنيّة، أخرجت لي من فكّه الأسفل، فكان عرضها شبرا ووزنها ألف مثقال ومائتا مثقال، أنا وزنتها بيدي، وهي الآن في داري في باشغرد (a)، وكان دور فكّ ذلك العادي سبعة عشر ذراعا.
وفي بيت بعض أصحابي في باشغرد عضد أحدهم، طوله ثمانية وعشرون ذراعا، وأضلاعه كلّ ضلع عرضه ثلاثة أشبار وأكثر كاللّوح الرّخام، وأخرج إليّ نصف رسغ يد أحدهم، فكنت لا أقدر أن أرفعه بيد واحدة حتى أرفعه بيديّ جميعا.
قال: ولقد رأيت في بلد بلغار، سنة ثلاثين وخمس مائة، من نسل العاديين رجلا طوالا، كان طوله أكثر من سبعة أذرع، وكان يسمّى دنقي، وكان يأخذ الفرس تحت إبطه كما يأخذ الإنسان الطّفل الصغير، وكان إذا وقع القتال بتلك الناحية يقاتل بشجرة من شجر البلّوط:
يمسكها كالعصا في يده، لو ضرب بها الفيل قتله. وكان خيّرا متواضعا، كلّما التقاني سلّم عليّ ورحّب بي وأكرمني، وكان رأسي لا يصل إلى حقوه.
وكان له أخت على طوله، رأيتها في بلغار مرارا عدّة، قال لي القاضي يعقوب بن النّعمان - يعني قاضي بلغار -: إنّ هذه المرأة الطّويلة العادية قتلت زوجها، وكان اسمه آدم، وكان من أقوى أهل بلغار، ضمّته إلى صدرها فكسرت أضلاعه، فمات من ساعته.
(a) بولاق: باشقرد. (١) أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي المتوفى سنة ١٠٣ هـ/ ٧٢١ م، محدّث وعالم في الفقه والمغازي، عارف بالشعر راوية له، لم يذكر له فؤاد سزجين بين مؤلفاته كتاب «سير الملوك» فتكون إشارة أبي حامد الغرناطي ذات قيمة خاصة. (Sezgin، F.، GASI، p. ٢٧٧)