للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الإسكندرية ومعه حجر، وأن يتأمّل موضع سقوط [قرص] (a) الشّمس، فإذا سقطت رمى بالحجر، ففعل الرّجل ذلك، فوصل الحجر إلى قرار الأرض بعد صلاة العشاء الآخرة، فجعل إفطاره بعد صلاة العشاء الآخرة فيما بعد إذا صام في مثل ذلك الوقت. وكان عند رجوعه إلى سرّمن رأى لا يفطر إلاّ بعد العشاء الآخرة، وعنده أنّ هذا فرضه، وأنّ الوقتين متساويان: وهذا غاية ما يكون من قلّة العلم بالفرض ومجاري الشرق والغرب.

وقد ذكر أرسطاطاليس في كتاب «الآثار العلويّة» (١) أنّ بناحية المشرق الصّيفي جبلا شامخا جدّا، وأن من علامة ارتفاعه أنّ الشّمس لا تغيب عنه إلى ثلاث ساعات من اللّيل، وتشرق عليه قبل الصّبح بثلاث ساعات.

ومنارة الإسكندرية أحد بنيان العالم العجيب، بناها بعض البطالسة ملوك اليونانيين بعد وفاة الإسكندر بن فيليبش الملك لما كان بينهم وبين ملوك رومة من الحروب في البرّ والبحر، فجعلوا هذه المنارة مرقبا، في أعاليها مرآة عظيمة من نوع الأحجار المشفّة ليشاهد منها مراكب البحر إذا أقبلت من رومة على مسافة تعجز الأبصار عن إدراكها، فكانوا يراعون ذلك في تلك المرآة، فيستعدّون لهم قبل ورودهم.

وطول المنارة في هذا الوقت على التقريب مائتان وثلاثون ذراعا؛ وكان طولها قديما نحوا من أربع مائة ذراع، فهدمت على طول الأزمان وترادف الزّلازل والأمطار، لأنّ بلد الإسكندرية تمطر، وليس سبيلها سبيل فسطاط مصر، إذ كان الأغلب عليها ألاّ تمطر إلاّ اليسير. وبناؤها ثلاثة أشكال: فقريب من النّصف وأكثر من الثّلث مربّع الشّكل، بناؤها بأحجار بيض، يكون نحوا من مائة ذراع وعشرة أذرع على التّقريب. ثم من بعد ذلك مثمّن الشّكل مبنى بالحجر والجصّ نحو من نيف وستين ذراعا، وحواليه فضاء يدور فيه الإنسان وأعلاها مدوّر. وكان أحمد بن طولون رمّ شيئا منها، وجعل في أعلاه قبّة من الخشب ليصعد إليها من داخلها، وهي مبسوطة مورّبة بغير درج. وفي الجهة الشمالية من المنارة كتابة برصاص مدفون بقلم يوناني، طول كل حرف ذراع


(a) زيادة من التنبيه.
(١) كتاب «الآثار العلوية» لأرسطاطاليس مصدر المسعودي في التنبيه لا من مصادر المقريزي، فالمقريزي ينقل في مواضع كثيرة النص بما فيه من مصادر المؤلف الأصلي، الأمر الذي يوهم أحيانا أنّه اطّلع على هذه المصادر.