لسانٌ ينفِقُ دُرًّا، وبيان ينفث سحرا، وسنان يُصيب نحرا، وحسّان يؤيد بروح القُدُسِ إذا قال شعرا، كان لا يقرأ ولا يكتب، ولا سلف له سابق بأديب، ولا درس، بل كان شُغْلُه صنعة القِسِيّ يُطلِعُ أهِلَّتها، ويصنع من سقام الأصيل حُلَّتها.
وحكى لي شيخنا شهاب الدين محمود الحلبي الكاتب عنه، أنه كان يدعي الأمية، وكان بخلاف ما يدعيه، قرأ وكتب وحفظ المفصل في النحو.
وحكي لي صاحبنا الشيخ جمال الدين، أبو زكريا يحيى بن الغويرة السلمي عنه، أنه كان يأخُذُ الخطوط المنسوبة الفائقة بخط ابن البواب، والولي التبريزي، وأمثالها ويضعها قدامه بحيث يراها، ثم يقص من التَّو مثلها ويلصقها أسطرًا على الدروج، لا يفرق بين ما قصه منها بالمقص وبين ما كتبه أولئك الكتاب بالقلم، وحكى لي حَسَنُ بن المحدث الكاتب أنه كان يكون قاعدًا في عمل صناعته وهو ينظم القطعة من الشعر، النظم الجيد المرضي، وفي شعره ما يُبلِّلُ بقطره الغمائم، ويلطم بنشره اللطائم، ومنه قوله (٢): [من الطويل]
وعهدي بوجه الأرض مبتسمًا فَلِمْ … يُغَرْغِرُ منه الدَّمْعُ في مُقَلِ الخُدْرِ
إذا أرجف الماء النسيمُ لِوَقْتِهِ … كساه شعاع الشمس درعًا من التبر
وقوله:
نصون الحميا بالقناني وإنّما … نصون القناني بالحميا ولا ندري
ولما حكى الراووق في العين شكله … وقد عَلِقَ العنقود في سالف الدهر
تذكَّر عهدًا بالكروم فكله … عيون على أيام عصر الصبا تجري
يقول وفرط السكر يثني لسانه … إلى غَيْرِ ما يُرضي التقى وهو لا يدري
(١) جوبان بن مسعود بن سعد الله القواس الدنيسري: شاعر، كان نادرة في الذكاء، له النظم الجيد، ولم يكن يعرف النحو. توفي في دمشق نحو سنة ٦٨٠ هـ/ نحو ١٢٨١ م. مصادر ترجمته: فوات الوفيات ١/ ٢١٣ - ٢١٩، المنهل الصافي ٥/ ٣٥، الأعلام ٢/ ١٤٣. معجم الشعراء للجبوري ١/ ٤٤٥. (٢) من قصيدة قوامها ١٧ بيتًا في الفوات ١/ ٢١٣ - ٢١٤.