[٢٥٩] سليمان بن داود بن سليمان بن مُحَمَّدِ بنِ عبدِ الحقِّ، الحنفي، أبو الربيع، صدر الدين (١)
من بيت فقه وقضاء، وعِلْم كأَحْسَنِ وجوه الكواكب الوضاء. تفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، ويغْلِبُ على ظنّي أنّه لم يَعْلَق في المدارس بوظيفة. وجاس خلال البلاد، وجاز على ملوك المغل ثمَّ عاد. ووصل مع رُسُل جاءت منهم مشاركًا في الرسالة مشارًا إليه بينهم بالجلالة. وله أدب ما الأري المشار إلا مذاقه، ولا النَّهارُ المنير إلا إشراقه، ولا سُلاف العقار إلا ما أسْمَعَ، ولا البدور الكوامل إلا ما أطلع، ولا العرب الأتراب إلا ما أبدى من بنياتِ فِكْرِهِ فجلا أو أكنَّ فَبَرْقَعَ.
وهو في كل فنونه مبرز، ولعيونه محرز. حاز البيان بحده، وملك منه ملكًا سليمانيًا لا ينبغي لأحد من بَعْدِه، بقريحةٍ عُرِفتَ بالسماح حتى لوم حاتم، وتصرفت في ملك البيان تصرف سليمان وقَلَمِه الخاتم، لقُدْرة طبّ بها فخر العقود، وتصرف بها تصرف سليمان بن داود. لم يبقَ عَروض حتى زَخَرَ له بَحْرُهُ، ولا سِرُّ بلاغة حتى ضُمَّ عليه صَدْرُه، ولا تَفَنَّن أهل غرب أو شرق حتى جَمَعْ، وتَفَنَّنَ فيه حتى قَصُرَ دونَهُ كُلُّ طَمَع، مما ينافس فيه البديع، ويجانس وشي صنعاء حُسْنَه الصنيع، ويَنْشُرُ ملاءات الحبر من فكره السحابي أبو الربيع، مما تَقذِفُ به السُّفُن والركاب، وتجري الريح بأمْرِهِ مسخَّرَةً حيث أصاب، المحاسن أبعد فيها وأبْدَعَ، وظل كل من حضر مجلسه السليماني وكأنه الهُدْهُدُ يسجد ويركع. هذا ونشره يلوح على الأسارير، وندى وَجْهِه تخوضه العيون ثم تقول إنه صَرْح ممرد من قوارير.
ومن شعره الذي يروق، ودُرِّه الذي يفوق، قوله (٢): [من الوافر]
(١) سليمان بن داود بن سليمان الحنفي: فقيه، نحوي أديب كان معدودًا من الفضلاء في عصره، اشتغل في بادئ أمره حتى برع في الفقه والعربية وغيرهما، وأفتى ودرس، وباشر عدة وظائف سنية، ولي كتابة الإنشاء والنظر، وولي الأحباس، وكان ذا وجاهة وحرمة، رحل إلى العراق وخراسان ومصر والحجاز واليمن. توفي سنة ٧٦١ هـ/ ١٣٦٠ م. ترجمته في: المنهل الصافي ٦/ ٣١ - ٣٣، الدليل الشافي ٢/ ٣١٧ - ٣١٨، الوافي بالوفيات ١٥/ ٣٨١ - ٣٨٨ رقم ٥٢٩، الدرر الكامنة ٢/ ٢٤٤ رقم ١٨٤، السلوك ٣/ ٥٥. (٢) الوافي بالوفيات ١٥/ ٣٨٥.