وحدثني أيضًا عنه: أنه أتى حصن الأكراد مادحًا نائبها، ومستسقيًا من أياديه سحائبها، فأخذ ابن الذهبي كاتب درجة القصيدة ليوصلها إليه، ثم عاد إليه، فأخبره أنها ضاعت من وسط يديه، فقال: [من المنسرح]
لا الذهبي أسرى المديح ولا … أعذبه منهلًا وعذبه
أهديت مدحي تبرًا إليه فما … ذهبه بل علي أذهبه
وقوله، وقد رأى مشجر الفسيفساء بجامع دمشق: [من الطويل]
ألم تَرَ أشجارًا بجامع جلّقٍ … حكت مثلها لو أن صانعها باقي
نضارتها أن لا تدانى فروعها … بشمس ولا يسقي مغارسها ساقي
وقوله (١): [من الخفيف]
فرقت بيننا الحوادث لكن … لي نفس إليكم أُدنيها
فكأني في الود فأرة مسكٍ … أفرغوها ونفحة الطيب فيها
وقوله: [من الخفيف]
هيج البرق لوعة المشتاقِ … بوميض لقلبه الخفاق
هذه مزنة إلي حدتها … نسمة الصبح من نواحي العراق
يا قساة القلوب رقوا فإنّي … لا غرامي فان ولا أنا باقي
هل لبؤس لاقيته من فراق … ونعيم فارقته من تلاقي
ومنهم:
[[٢٥١] محمد ابن سبط الحافظ شمس الدين]
ذكي الفطنة، زكي الفطرة، وقاد القريحة، نقاد المعاني الصحيحة، لطيف المحاضرة، خفيف المجالسة. يقع على نادر المعنى، لكنه ربما أتى بساكن بلا معنى، إذ كان مستوشل المواد، مستوحش الجواد، لا دربة له بممارسة، ولا رغبة تقدمت له في مدارسة، اعتمادًا على ضياء حسّه، وصفاء جوهر نفسه. مركب أعاريض الشعر، ولا يلحج في بحاره، ولا يدلج ليله قبل تبلج أسحاره. وخدم في الدواوين زمانًا، ثم في الجيش بصفد خدمةً أخذ بها الرامح من قبله أمانًا. وكان يُجيد حلّ المترجم ويبين ما أسَرَّهُ قلم كاتبه وجمجم، بفهم إلى قراءته، يسارعه كأنه واضعه، متى نَظَرَهُ قرأه لا
(١) الدرر الكامنة ٣/ ٢٧٧.