للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يتوقف، كأنه هو الذي كتبه وسطره. ومن شعره: [من الطويل]

وذي شنب مالت إلى فيه شمعةٌ … وعادت إلى رجليه عن شفتيه

وقالت: بدا من فيه شهدٌ فهزَّني … بذكر لأوطاني فملت إليه

فحالت يد الأيام بيني وبينه … فعفَّرْتُ أجفاني على قدميه

ومنهم:

[٢٥٢] محمد بن سباع الصائغ، الدمشقي، أبو يوسف، شمس الدين (١)

صائغ لا غش في ذهبه، ولا غلَّ في أدبه، ولا غبّ لزيارة سحبه. قطف غض البلاغة، وجاء بالكلام كما يقال، صاغه صياغة. وما كان ابن سباع إلا وهو شبل قسورة، ولا نُعت بالشمس إلا لأن الليالي كانت به مقمرة.

وهو ممن أخذتُ عنه العروض، وكان فيه إمامًا، وقطعت به بحوره لا أرد الماء إلا حمامًا. وتعلمتُ منه علم القوافي، وطرت في دقيقه وجليله بالقوادم والخوافي. وكانت حانوته بقيسارية الصاغة بدمشق سوق ذهب وأدب، كلاهما إبريز، وهما ما هما وله فيهما التبريز. وله أوفر قسم من النحو والعربية والمقامات الحريرية، وسائر المواد الأدبية. ومن أشعاره المولدة العربية الذهبية، قوله: [من الكامل]

وتخيروا تلك الحزون منازلًا … بالحزم للأمر الأشد الأصعب

ملأت خيامهم الجهات فلم يكد … للقرب يفرق مضرب من مضرب

ومنه قوله يذكر حريق بلد أخذ منه الكفر: [من الكامل]

طهرتها من أهلها بدمائهم … وجعلت باسمك ربعها مأنوسا

أمهرتها عزمًا ملأت به الدُّنَى … ولقد ملكت كما بذلت نفيسا

ورميت فيها النار تطهيرًا لها … مثنّى فمنها الشرك عاد يؤوسا

فكأنها والنَّارُ في جنباتها … بيت به الشيطان غر مجوسا


(١) محمد بن الحسن بن سباع، الصائغ العروضي.
أقام بالصاغة زمانًا يقرئ الناس العروض ويشتغل عليه أهل الأدب. توفي سنة ٧٢٢ هـ. وكان له نظم ونثر، شرح ملحة الإعراب، وشرح الدريدية في مجلدين، واختصر صحاح الجوهري، ونظم قصيدة تائية تزيد على الألف بيت، وله «المقالة الشهابية».
ترجمته في: الوافي بالوفيات ٢/ ٣٦١ - ٣٦٣، فوات الوفيات ٢/ ٣٨٠ - ٣٨٣، الدرر الكامنة ٤/ ٤٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>