ومن شعره في هجاء من هيج حفيظته، وأوهج توقيد نار الغضب مغيظته، مما قاله ارتجالًا في خصمه، وواجهه بنفث سمه، قوله (١): [من الخفيف]
ركب الله في فناء بني فَعْ … لان معنى النيران والحيات
أوجه القوم بالمكاره تخفَى … وفروج النساء بالشهوات
حدثني ابن عمنا القاضي جمال الدين، أبو محمد يوسف بن رزق الله العمري، وكان هذا الرشيد محفوظًا خاصًا به، وخالصًا لصاحبه، نزل عليه حال مقدمه، وأصفاه خالص خدمه. قال: حدثني الرشيد ما سأذكر أنا معناه، وهو أنه لما مر بحماة، في مقدمه إلى دمشق، مدح طائفة من كبرائها المتصلين بخدمة صاحبها الملك المظفر، منهم: ابن قرناص، كاتب سره، وصاحب أمره بأسره، وأراد منه أن يوصله إلى صاحبه لنشده مديحًا عمله فيه، قاطع عليه الكَرَى، وأشبه به النجوم إلا في السُّرى، حتى جاء به روضًا ما سقته إلا سحب القرائح التي تشب لهبًا، وتصب ذهبًا، فعلق أمله بالوعد ومنعه، فلم يصل إليه إلا فيما بعد. فلما رأى أن وعده لا يثمر، وأن قصده لا يظهر منه إلا خلاف ما يضمر، عدل إلى كستغدي أستاذ الدار وكان ممن لا يخيب المرجو، ولا يقطع رحم الأدب المرجو، لأخذه بحظ من الفضائل لا تُنقص، ولا يُعرف الذهب ما لم يُخلص، فلما أنزل به مقصده، أنشده (٢): [من الكامل]
ولقد ركبت هجين عزم ساقه … مني الرجاء إلى الأعز الأبلج
ملك توعره جنود حوله … كالروضِ بات مُسَيًَّا بالعوسج
فلما دخل على الملك المظفر، أوصل إليه جليَّةَ خبره، وأنشده البيتين بما فيهما من وخز إبره، وابن قرناص حاضر يسمع، ناطر يتوقع ما يصنع، فأمر بإحضاره، فأحضر في الحال، واستنشده البيتين: فقال:
[ولقد ركبت وهجين عزم ساقه (البيت)]
ثم اهتدم البيت الثاني فقال (٣): [من الكامل]
ملك تزان به جنود حوله … كالروض بات مسيجًا ببنفسج
فقال له: ما هكذا قلت. فقال: قد كان ذاك قبل أن أحضر لديك، فأما بعد أن حضرت، فهو كما أنشدت بين يديك. فأسنى عطاءه من الذهب الخلاص، وأوسع ملامته ابن قرناص.