من مجموع حسن، ومسموع ما أطرب به طائر على فنن، وكان له طرفٌ تَشِفُ، ولُطَفٌ تخف، وأدب شُكْرُهُ واجب، كأنه الغمر بالحواجب. وحُكِيَ أَنه مَرِضَ لابن يغمور مملوك كان يعزُّ عليه، وكان يعوده طبيب من أخصاء أصحابه، فمات المملوك، فلما خرجت جنازته، خرج الطبيب فيمن خرج معها، فلما حَضَرَ الدفنُ قَعَدَ الطبيب على القبر وهو يُحْفَرُ، ثم بقي يقول للحفار احفر كذا، اعمل كذا، افعل كذا، فقال له الحافظ اليغموري: يا سيدنا أنت قد عَمِلْتَ ما يجب عليك وما قصرت، ولازمته حتى وَصَّلته إلى هنا، وأما من هنا ورائح، ما بقي يتعلّق بك الذي عليك أنت عَمِلْتَهُ، وبقي الذي على هذا، وأشار إلى الحفار، فخزي الرجُلُ، وضَحِكَ كلُّ من حضر الدفن.
ورأيت بخط ابن العطار ما صورته وقد ذكره، فقال: وكتب إليه الأديب شهاب الدين محمد بن عبد المنعم ابن الخيمي، وكلاهما أرمد (١): [من الوافر]
أبثك يا خليلي أنَّ عيني … غدت رمداء تجري مثل عين
حديثًا أنت تعرفه يقينًا … لأنَّك قد رمدت وأنت عيني
فكتب جوابه (٢): [من الوافر]
كفاك الله ما تشكو وحيّا … محاسن مقلتيك بكل زين
فإني من شفائك ذو يقينٍ … لأني قد شفيتُ وأنت عيني
ومن شعره قوله (٣): [من الرمل]
رجع الوُدُّ على رغم الأعادي … وأتى الوصل على وفق مرادي
ما على الأيام ذنب بعدها … كفّر القرب إساءات البعاد
ومنه قوله (٤): [من الرمل]
أنا مرآة فإن أبصرتُمُ حَسنًا … أنتم بها ذاك الحسن
أو تَرَوا ما ليس يرضيكم فَقَد … صَدِئَتَ إذ لم تروها من زمن