وأَخْدَمَني الماء القراح فحيثُ ما الـ … تَفَتُّ رأيتُ الماء في خدمتي يجري
ثم خرج يُريدُ مصر في بكرةِ يوم من أيام الربيع، قد جاء فيه النَّسيم بريح الجنان مُخبرًا، وتأجَّجَ الشفق نارًا تحرِقُ من الطيب عنبرًا، وقد ألقى أبيض الغيم على مُحْمَرِّهِ ذيله الفضفاض، وإناءُ الصَّباح قد امتلأ من نَدَى الطَّلِّ وفاض، فقال (١): [من الكامل]
لِلْغَيمِ في شَفَقِ الأصائل منظَرٌ … يُلْهِي برونَقِ حُسْنِه من أبصرا
لا غرو أن طابَ النَّسيمُ وأُفقُنا … نارٌ مُؤججة تحرق عنبرا
ثم سار أمام كُلِّ سرية، حتى أتى الاسكندرية، وهي صنعاء البلاد، وذات الحلل لا البجاد، لا يتجاوزها الأمل، ولا يعدُّ ما فيها من حُسنِ التَّفاصيل والجُمَل. فلما تمتَّع بتحبيرها وتحريرها، وتنعم في جنّتها وحريرها قال (٢): [من الكامل]
لما قصدت سكندرية زائِرًا … مَلأت فؤادي بهجة وسرورا
ما درتُ فيها جانبًا إلا رَأَت … عيناي فيها جنّةً وحريرا
وفي المركب بمينائها يقول (٣): [من الكامل]
انظر إلى قطع المراكب إذ بَدَتْ … والماء يعلو حولها ويدور
مِثْلَ السَّحائب لا يفرّق بينها … نَظَرُ وكل بال بالرياح يسير
وحُكِي أَنَّهُ ماتَ لَهُ يومَ مَطَر صديقٌ بكاه، وأغرى بدمعه السحاب فحكاه فقال (٤): [من الطويل]
بروحي الذي جاء الغمام يعودُهُ … فَصادَفَه نَحوَ المنية قد سَرَى
فما زال يبدي حرقة وتنهدًا … ويبكي إلى أن بَلَّ من دمعه الثرى
وحكي أنَّه كان قد علق غلامًا توقدت نار وجنتيه، وحَلَتْ مُجاجة شفتيه، فأتاه ليلة أثر مدام، دقق غزل مُقلتيه، وشوّش سالِفَتَيْ طُرَّتَيْه، وفي يده شمْعَةٌ أزهر منها شمعة خده، وأرشق منها قامةُ قَدِّهِ، فلما رآه مقبلًا وَثَبَ وقَبَّلَ قدميه من كتب، ثُمَّ قال بديهًا فيه وفيها (٥): [من الكامل]
عجبًا لَهُ أَنَّى يزورُ بشَمعَةٍ … وضياؤُهُ أبقى الظلام نهارا
لما رأته ووجهُهُ أبهى سَنًى … منها أسالَتْ دمعها مدرارا
وغدت لفرط الغيظ تُعطي كُلَ مَنْ … وافَى ليقطع رأسها دينارا
(١) البيتان في ديوانه ٤١.
(٢) البيتان في ديوانه ٤١.
(٣) البيتان في ديوانه ٤٢.
(٤) البيتان في ديوانه ٤٢.
(٥) القطعة في ديوانه ٣٢.