وحُكِيَ أَنَّه خرج يومًا بحماة يتفسَّحُ في الصحراء، والربيع قد طلع في حُلَّتِه الخضراء، حتى أَتَى النَّاعورة الكُبرى، والغُروب قد جرى على النهر تبرا، ونهر العاصي في تِلكَ العَشِيَّة قد مُوهَتْ كُؤوسه، وذهبت نجوم فواقعه شموسه، فقال يصف النهر (١): [من الطويل]
ونهر إذا ما الشَّمسُ حان غروبها … عليه ولاحت في ملابسها الصُّفرِ
رأينا الذي أبقت به من شُعاعها … كَأَنَّا أَرَقْنَا فيه كأسًا من الخَمْرِ
ثم قال في الناعورة (٢): [من الطويل]
وناعورة شبهتها حين أُلْبِسَتْ … من الشَّمس ثوبًا فوق أثوابها الخُضْرِ
بطاووس بُستان يدور وينجلي … وَيَنفُضُ عن أرياشِهِ بَلَلَ القَطْرِ
وحكي أنه كان قد واعد صديقًا أن يخرج مَعَه غازيًا، ثم قَعَد وانطلق صديقه غاديًا، وذلك لأنه لم يتقدَّم لَهُ عليه حقٌّ يُسلِّفه، ولا ضرب له موعدًا لا يُخْلِفُه، ثم كتب إليه يعتبه، وحمله من أثقاله، ما يُعتبه، فكتب إليه (٣): [من الطويل]
رَأَيْتُكَ إذ ألزمتني الذَّنب ظالمًا … وذنبك بين النَّاسِ قد شاعَ واشْتَهَرْ
كقلب الذي يهوى يعذَّب دائمًا … ولم يجنِ ذنبًا إِنَّمَا الذَّنْبُ للبَصَرْ
ثُمَّ لمَّا فَقَدَ ذلك الصديق، وقابل عُذره بوجهه الصَّفيق، جَعَلَ يَذكُرُ مواقف غَزَاتِه، والاعتداد بمجازاته، فقال (٤): [من الطويل]
أَتَفخَرُ إذ طاعنت خيلًا مُغيرةً … فوارِسُها يوم الوغى ما لَها ذِكْرُ
وفاتَكَ أَنِّي طُولَ عُمرِيَ لم أَزَلْ … (أَطَاعِنُ خيلًا من فوارسها الدهر) (٥)
وحكي أنه خرج يومًا إلى الصحراء، وقد تجلت الأرض بالبيضاء والصفراء، وعيون النرجس محدقة. الفضاء مجال خيله. فألفى به غلامًا كان لَهُ. أَيَّ مُسْعِدٍ وافاه على غير موعد، فأنزل القُبُلَ بساحَةِ خِدِّهِ، وأطال في ذميل العناق إليه ووحده، وقال، وجيوبُ الشَّفَقِ مُشَقَّقَةٌ، والنسيم يتعثر بذيله، ويوسع في ذلك (٦): [من الكامل]
لو لم أعانق مَنْ أُحِبُّ بروضة … أحداقُ نرجسها إلينا تنظُرُ
(١) البيتان في ديوانه ٤٢.
(٢) البيتان في ديوانه ٤٢.
(٣) البيتان في ديوانه ٤٣.
(٤) البيتان في ديوانه ٤٣.
(٥) التضمين صدر بيت للمتنبي، وعجزه:
وحيدًا وما قولي كذا ومعي الصبر
«شرح ديوان المتنبي ١/ ٣٥٢».
(٦) البيتان في ديوانه ٤٣.